الشهيد القسامي / نضال مجدي عطا الأغا
منذ صغزه أحبّ اللحاق بركب المجاهدين
القسام - خاص :
في الأرض المقدسة التي باركها الله وبارك ما حولها، يمضي الرجال نحو ربهم شهداء وتبقى ذكراهم تفوح مسكاً وعنبر،
الذين عاهدوا الله وشعبهم بأنهم سيبذلوا الغالي والنفيس في سبيل عودة ديارهم المحتلة منذ عام ألفٍ وتسعمائة وثمانية وأربعون، منذ هاجر الأجداد وَرِث الأحفاد مفتاح الدار والحب الكبير للأرض والجهاد.
نشأته
وفي خانيونس " قلعة الشهداء" وعلى أرضِ معن، وفي الثامن والعشرين من شهر نيسان للعام ألفٍ وتسعمائة وسبعة وتسعون، كانت الشمس تحيّي الأرض التي استقبلت بطلاً من أبطالهِا الأشاوس، كانت زهور الربيع وزهور نيسان وقتها ترقص فرحاً بميلاد بطل نيسان. كان الشهيد رحمه الله: نضال مجدي عطا الأغا
ترعرع شهيدنُا طفلاً في أسرة ملتزمة دينياً وأخلاقياً، بَادر والديه الكرام لأخذه إلى حاضنة الإسلام - المسجد - وكان نصيبه أن يكون المسجد: أبو بكر الصديق في منطقة معن هو الحاضن له، المسجد الذي يساهم في صَقل الشخصية المسلمة السوية، وهو البيئة الخصبة لإنبات الأصل الطيب، فنَما الطفل نضال وكَبُر بين أكنافه شاباً هادئا بشوشا، يخبئ بين طيات هدوؤه همة عالية تكاد تصرخ بالغافلين لينهضوا.
كانت علاقته مع أسرته، علاقة ود واحترام فلقد كان رحمه الله تعالى مطيعا وبرا بهما، لا يقول لهما أفٍ أبداً، محسناً لهما فلقد عَلِم أن رضاهما من رضا الله التي هي أسمى غاياته، أما مع إخوانه فلا يذكر أنه كان يثير الشغب معهما أو مشاكلٍ أياً كانت، فهو الهادئ بطبعه ذو خلقٍ رفيع، متميزا بين أقرانه بذلك.
حياته العلمية و العملية
لو سَلطّنا الضوء على حياته العلمية، فنرى الشهيد نضال رحمه الله أنه قد التحق بمدرسة عمار بن ياسر ليدرس فيها حتى الصف والعاشر، ثم يتركها ويترك الحياة العلمية برمتّها، نظراً لظروف عائلته الاقتصادية الصعبة حينها، فلقد اختار أن يساعد والديه في توفير لقمةِ عيش الحياة، الحياة التي هي غير قابلة للحياة هنا في قطاع غزة بين حصارٍ وتشديدٍ وأوضاع اقتصادية متأزمة، وخط فقر متدني جداً.
عمل الشهيد في محل للألمنيوم مع أخيه الشهيد صدام رحمهما الله، لا يُذكر انهما قد تذمراً يوماً بل أنهما كانا يعملان يداً بيد، متناسين همومهم بشوشين لهذا العالم العبوس.
في أكناف المسجد
وبالرجوع إلى حياتهِ في المسجد، فحينما أضحى الشبل نضال شاباً من رواد المسجد، كانت المسؤوليات على عاتقه تزداد، ومن غيرُ الرجال لها!؟
عَمِل شهيدنا نضال رحمه الله محفظاً في حلقاتِ تحفيظ مسجده، وأيضاً عضواً في اللجان المسجدية، التي عُرف فيها بحسنِ الخلق والسلوك والانضباط.
رحلة الدعوة والجهاد
وفي العام ألفين وثلاثةَ عشر للميلاد، كانت جماعة الإخوان المسلمين تخُطَّ المبايعة لشهيدنا نضال ليصبح أخاً فيها، وهو الشاب السّوي الملتزم.
النفس المجاهدة تتوق للمزيد دوماً ابتغاء رضا الله، ومثال ذلك شهيدنا نضال، كانت نفسه لا تملّ ولا تكلّ من التضحية والبذل والعطاء.
كان شعلةً من حماس وتحدٍ وقوة، وهو ما دفع الجهاز العسكري لقبوله في صفوف الكتائب المظفرة بعد إلحاحه الشديد، وكان ذلك في العام ألفين وأربع وعشرة.
ولقد كان قد قدّم الشهيد نضال طلبه للانضمام وهو صغير، لكن مسؤولاً قد رفض ذلك فبكى بكاء شديداً وقتها، وشاءت الأقدار إلى أن يصبح هذا المسؤول قائد سريته فيما بعد!
لم يصدق الشهيد نفسه أنه أصبح على تحقيق حلمه قاب قوسين أو أدنى، فلقد كان متحمساً للقتال ضد الأعداء في الصفوف المتقدمة متجهزاً لذلك في كل لحظة.
يفعل وينفذ كل ما يُطلب منه، نشيطاً مبادراً لا يمكن أن يتخاذل أو يتباطأ، كما يشهد له أقرانه، فقد عمل في حفر الأنفاق بهمةٍ عالية كالفولاذ، كلما يحفرُ في أرضه يحفر في داخله مزيدا من تصميم وقوة بأننا على مشارف النصر حتماً، وما هذه الأنفاق إلى خنادق العبور، وكان نضال رحمه الله يساعد إخوانه في وحدة الصيانة، مبادرا لذلك دون أن يطلب منه.
هذا بجانب عمله الرئيسي ضمن وحدة المشاة، حيث كان يتفنن في تخصّصه معطاءً لا يكل ولا يمل.
موعده مع الشهادة
وجاءت أيام المعركة، معركة العصف المأكول.. دّقت الحرب طبولها، وبدأت صفارات الإنذار تدّوي في أراضينا المحتلة معلنةً أن الرجال قادمون وأن الأسود ها هي تغادر من مرابضها، فليهرب كل محتلٍ ذليل.
كانت المعركة على أوجّها، والرجال يعدّون العدة ليقابلوا الجيش الذي تمادى في غطرسته،
وبين هذا وذاك كان شهيدنا نضال رحمه الله كثير الطلب ليقاتل مع النخبة وحدة الاستشهاديين وليكون في الصفوف المتقدمة، لينال أمنيته التي يريد: الشهادة.
فصدقَ الله وصدقه الله وعده، حلّقت الطائرات الحربية، وتم القصف، كان ذلك في الثامن والعشرين من شهر تموز لعام ألفين وأربعة عشر.!
تم قصف منزل الشهيد نضال، ليرحل مرتجلاً نحو السماء، وروحه الأبيّة الشابة تحلق بفرح، قد أقبل الحق وأقبلت الشهادة، ورحل ذو السبعة عشر ربيعاً مقداماً غير آبه بحياته الفانية، ولتودّع الكتائب المظفرة رجلاً بحق.
رحمك الله شهيدنا وجمعنا بك في جنان الفردوس بإذنه تعالى.