الشهيد القسامي / إبراهيم طالب أبو هواش
الخادم لإخوانه و المعتز بدينه
القسام - خاص :
إن من الناس من تذكّرك رؤيتهم بالله - عز و جلّ – و من إذا حادثته تتوقد فيك الهمة و النشاط من جديد .. هؤلاء الناس هم قليلون جداً ، و قد كان من هذا القليل الثابت على دينه كالجبال الشم ، الشهيد القسامي أبو خليل ..
فنحن في حديث عن رجلٍ كأنه من الصحابة الأجلاء الذين تربّوا على مائدة القرآن الكريم بحضرة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فكانوا بصفاتهم و أخلاقهم مصاحف تسير بين الناس ، ينثرون عطرهم الفوّاح في الأرجاء ، و إذا مرّوا بأحدٍ ترى أثر مرورهم عليه بادياً واضحاً على وجوههم ..
الميلاد والنشأة
ولد مجاهدنا بتاريخ 19/8/1970 في مدينة نابلس لأبوين كريمين وعائلة فاضلة متواضعة ، بسيطة الحال و المعيشة، ولكنهم كريمو الأخلاق مشهود لهم بالصدق و التفاني ..
فقد نشأ مجاهدنا و تربّى في مسجدي صلاح الدين و الخضراء ، فكان مثالاً للناشئ الملتزم الذي يترعرع على حب الله عز و جل ، و يتربى في بيته تبارك و تعالى و ينهل من سيرة نبيه المصطفى عليه الصلاة و السلام ، فكان ممن ذكرهم الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم من السبعة الذين يظلّهم الله بظلّه يوم لا ظلّ إلا ظله "و شاب نشأ في طاعة الله" .. فكلّ زاوية من زوايا مسجد صلاح الدين و الخضراء تعرف أبا خليل ، فقد نشأت بينهما علاقة صادقة هي حبّ بيوت الله تبارك و تعالى و تعلّق قلبه فيها ، فكان بحق "و رجل مُعلّق قلبه بالمساجد" .. فإن كانت أرجاء مسجدي صلاح الدين و الخضراء تعرفه كلّ زاوية فيهما ، فكلّ مساجد نابلس تعرفه أيضاً من زياراته لها و تجواله عليها ، و ذلك من خلال زياراته لإخوانه و خدمته لدعوته ..
و لئن كان أبو خليل قد انقطع عن إكمال دراسته مبكراً ، و لكنه كان مدرسة في التربية و الأخلاق الفاضلة الحميدة ، و نموذجاً يُحتذى به في الطاعة و الالتزام و الانضباط ، مضحياً متفانياً يؤثِر إخوانه على نفسه ، إذا سمع نداء دعوته و إخوانه كان أول من يجيب , إذا دعي الشباب لمهمة في منطقته كان أول من لبّى ، و كما يقول عنه أحد إخوانه : "إذا لم نستطع القيام بأمر أو مهمة ما و صعبت علينا فأول ما يخطر ببالنا أن نقوم باستدعاء أبي خليل فعند قدومه يُيسر الله الأمور و تتذلل لنا الصعاب ، كنا برؤيته نزداد حباً للدعوة و نتعلم منه التضحية من أجلها .. لم نكن نرى أمامنا سوى رجلاً ربانياً باع الدنيا و زينتها و زخارفها ، و ملأ الإيمان قلبه فلم يرَ بقلبه سوى الآخرة و ما عند الله خير و أبقى .. فهو بأبسط وصف له : رجل قمة في العطاء ، و فقط أجره على الله .. فبالرغم من قلة ما بين يده و عمله الصعب في مناشير الحجارة ، فقد كان لا يردّ سائلاً و لا مهموماً ، فكان يقول : إن الله قد رزقني من فضله و لم ينسني ، و لئن كان عندي زاد اليوم فلعلّ السائل لا يوجد عنده شيء" ..
الدعاء لنيل الشهادة
و خلال الانتفاضة الأولى ، لم يقعده صغر سنه عن القيام بواجبه بفريضة الجهاد و كان يلحق بإخوانه أيام التصعيد و المواجهات ، فإذا أردت أن ترى أبا خليل فإن عليك أن تفتّش عليه في مواقع التصعيد و المقاومة و في أكثر النقاط سخونة و تصادماً مع الجنود الصهاينة ، فقد كان يعمل في الانتفاضة الأولى ليل نهار ، ففي النهار تجده في مواقع التصعيد و ضرب الحجارة ، و تنفيذ فعاليات الانتفاضة المختلفة ، و في الليل تجده مع إخوانه يكتبون شعارات الانتفاضة على الجدران ، و يرفعون الأعلام و الرايات ، و ينصبون الكمائن لدوريات الجنود الصهاينة و يضربونها بالزجاجات الحارقة .. و عند عودته لمنزله كان من رهبان الليل الذين يكثرون في سجودهم الدعاء بأن يكرمهم الله عز و جلّ بالشهادة التي كانت حلمه و أمنيته الدائمة .. و قد كان من أحبّ إخوانه على قلبه أثناء الانتفاضة الأولى الشهيدان المجاهدان ياسين الشخشير الذي استشهد في المجزرة الوحشية بنابلس علم 89 ، و الشهيد القسامي بشار العامودي الذي استشهد مع أخيه المجاهد على العاصي ابن قراوة بني حسان الصمود ، و ذلك في اشتباك مع القوات الخاصة الصهيونية في البلدة القديمة بنابلس عام 1994 ..
لم يرزق بأطفال
و قبل أربع سنوات تزوّج أبو خليل من فتاة ملتزمة ، فكانت خير من يعينه في دينه و دنياه ، و لكن قدر الله عز و جلّ شاء أن لا يرزق بأطفال رغم حبه الشديد لهم إلا أنه رضيَ بقضاء الله و قدره و كان صابراً مع زوجته يحتسبون ذلك عند الله تبارك و تعالى ..
اعتقال لدى السلطة الفلسطينية
و في عام 1996 اعتقلته السلطة الفلسطينية عدة مرات و مكث في زنازين قهرهم عدة مرات ، كما قاموا برصده و متابعته فصبر و لم يجزع و لم يثنهِ ذلك عن مواصلة نشاطه و فعاليته ..
خادم إخوانه
و في عام 1997 و عندما قامت السلطة الفلسطينية بحملة اعتقالات واسعة لنشيطي و قادة الحركة و احتجزتهم في سجن جنيد ظلماً و عدواناً و إرضاءً للتنسيق الأمني .. كان أبو خليل ممن يقومون بزيارتهم بشكلٍ دائم ، و يقول لهم (اطلبوا أي شيء فنحن على أتمّ الاستعداد لأي أمر تطلبوه) .. فكان يعتبر نفسه خادماً لهم يتألّم و هو يرى أعز إخوانه قد وضعهم أبناء جلدتهم داخل السجن ، و كان أبو خليل كثيراً ما يمنعه حراس السجن من الزيارة إلا أنه يبقى مصراً و لا يذهب إلا أن يزورهم ..
و عندما حصل الإضراب عن الطعام في سجن جنيد أوائل العام 99 و كانت تحصل فعاليات تضامنية معهم كان أبو خليل من أوائل المشاركين فيها ، و لم يأبَه بتهديد و وعيد السلطة له بأن يبتعد عن هذه النشاطات ..
الشهيد رفيق للقادة
و عند انطلاقة الانتفاضة الثانية الحالية ، تنفّس أبو خليل الصعداء من كبت السلطة له و لإخوانه ، فكان أبو خليل ملازماً للشهيد القائد جمال منصور و للشهيد القائد صلاح الدين دروزة ، حيث كان أبو خليل يشرِف على تهيئة الرايات و السمّاعات و يحضّر مع إخوانه لوازم المسيرات و مهرجانات التأبين بكلّ جدّ و إخلاص .. كما أنه حمل هم إخوانه المطاردين فكان دائم المساعدة لهم بأي شيء يطلبونه منه حتى أنه عاش حياتهم قبل أن يصبح مطلوباً مطارداً ..
صاحب الراية
و قد كان الشهيد المجاهد أبو خليل مشهوراً بدراجته النارية صاحبة الراية الخضراء التي يقوم من خلالها بخدمة إخوانه بسرعة البرق ، فقد كان على أهبة الاستعداد دوماً ، فقط ينتظر الأمر و بلمح البصر تجده أمامك جاهزاً ، و كان إخوانه المطاردون يطلقون عليه لقب رجل المهمات الصعبة و المستحيلة، لنشاطه و سرعته و إقدامه و جرأته الكبيرة ..
إعداد العبوات
و أثناء استعداد الصهاينة الجبناء لاجتياح مدينة نابلس في نيسان 2002 كان هو و إخوانه المجاهدون يستعدون للقائهم فكان مشرفاً مع إخوانه المجاهدين على تجهيز العبوات الناسفة، و إعداد الوسائل القتالية .. و عند لقاء الأعداء في الاجتياح و بالرغم من شدة النيران و القصف و المؤامرات فقد كان جميع من حضر القتال في البلدة القديمة يشيد ببطولته و إقدامه و شجاعته و مقاومته الشديدة للمحتلين ، و بقي مع إخوانه المجاهدين في المواقع المتقدّمة حتى اللحظات الأخيرة، و بقدرة الله عز و جلّ لم يستطع الأعداء الوصول إليهم رغم أنه لم يكن بينه و بين الأعداء سوى أمتار قليلة فقط و لكن الله سلّم ، و ذلك من شدة دعائه بأن يرزقه الله الشهادة و لا يمكّن الأعداء منه ..
فكان أبو خليل من خيرة مقاومي و مجاهدي كتائب القسام الأشداء، كما أنه كان الصديق الأول للاستشهادي القسامي المجاهد محمد زياد الخليلي منفّذ عملية اقتحام مغتصبة الحمرا الصهيونية في شباط 2002 ، كما أنه يعتبر الذراع الأيمن للقسامي القائد المهندس محمد الحنبلي ، و قائد المهمات الصعبة في كتائب القسام ..
و بعد الاجتياح أصبح أبو خليل مطارداً للاحتلال ، حيث عمل مع إخوانه المجاهدين و أذاقوا العدو الصهيوني ألوان العذاب بعملياتهم البطولية الجريئة ، عمل أبو خليل على تجهيز العبوات الناسفة و الأحزمة المتفجرة ، و إعداد الاستشهاديين.. و من شدة غيظ الصهاينة منه و من شدة جهاده و إيلامه لهم حاولوا مرّات عديدة اعتقاله ، فاقتحم الجنود الصهاينة منزله و منزل أهله عدة مرات و قاموا بترويعهم و إخراجهم من المنزل في ساعات منتصف الليل و تركهم في العراء و البرد الشديد لعدة ساعات ..
الموعد مع الشهادة
في 25/12/2002 الساعة الثانية بعد منتصف الليل كان خفافيش الظلام الجنود الصهاينة و عملاؤهم يحاصرون عدة منازل في حيّ رأس العين حيث تبيّن أن المجاهد إبراهيم و أحد إخوانه موجودون هناك و قد حاول المجاهد أبو خليل أن يحمي نفسه و يقاومهم إلا أن الرصاص الصهيوني الغادر أصابه في فخده الأيسر ، و قام الجنود الصهاينة باعتقاله و التحقيق معه و تعذيبه إلا أنهم لم ينالوا منه شيئاً ، فلقيَ الله عز و جلّ صابراً محتسباً رافعاً إصبع الشهادة ، شاكياً إلى الله - عز و جلّ ظلم الظالمين و تخاذل المتخاذلين .. الساكتين عن جرائم العدو الصهيوني بحقّ شعبنا ..
أيها الرجل المعطاء الصبور الخادم لدينه و لدعوته ، القائد في الجهاد و التضحية و المقاومة .. سلام عليك .. سلام على روحك الطاهرة .. تمنّيتَ لقاء الله عز و جلّ مقبلاً غير مدبرٍ مجاهداً صابراً .. فكان لك ما أردت .. لن تنساك رأس العين و مواقع المواجهة فيها .. و سيتغنّى باسمك و جهادك الأطفال الذين كنت تحملهم على دراجتك و تلاعبهم و تمحو الحزن عن وجوههم .. و لن ينساك مسجد صلاح الدين بأركانه و أرجائه ، و سيبقى مسجد الخضراء يئن لفقدانك و أنت كنت دائم الحضور فيه .. و سيبقى الذين كنت تزورهم من الفقراء و المحتاجين يذكرونك ليل نهار و قد كنت تصلهم و تقضي حاجاتهم و تساعدهم ..
أما إخوانك فإنهم على ما عاهدتهم و عاهدوك عليه .. بأن ينالوا إحدى الحسنيين إما النصر و إما الشهادة .. و قريباً سترى منهم ما يثلج صدرك و يمحو الحزن عن أهلك ، و يفتّت الأعداء و يمزّقهم بإذن الله تبارك و تعالى .
"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدّلوا تبديلا"
من الجراح الراعفة يشرق الأمل .. و من دماء الشهداء نسطّر آيات النصر و البطولة و الفداء .. و بأرواحهم الطاهرة تتأجّج المقاومة و تستمر .. متواصلة مع أجيال المقاومة جيلاً بعد جيل .. حتى ترتفع الراية خافقة عالية فوق أقصانا الحبيب و أرضِنا الغالية ..
من أرض المقاومة و الشهداء من نابلس جبل النار و بقلوب راضية بقضاء الله و قدره نزفّ إلى علياء الخلود فارساً جديداً من فرسان الكتائب
الشهيد القائد البطل: إبراهيم طالب أبو هواش ( أبو خليل )
قائد المهمات الصعبة في كتائب الشهيد عز الدين القسام في محافظة نابلس
الذي اغتالته القوات الصهيونية الخاصة فجر اليوم الأربعاء 25/12/2002 و بدمٍ بارد ، بعد أن اعتقلته حياً و أطلقت عليه الرصاص في فخذه الأيسر و أخضعته لتحقيقٍ ميدانيّ و تعذيبٍ بشع ، و أبقاه الجنود الصهاينة حتى تصفّى دمه الزكي و صعدت روحه إلى بارئها و ذلك أحد المنازل في منطقة رأس العين بنابلس .
إننا في كتائب الشهيد عز الدين القسام و نحن نزفّ شهيدنا القسامي البطل لنؤكد على ما يلي :
أولاً : نؤكّد على الجريمة الصهيونية البشعة التي ارتكبت بحقّ شهيدنا المجاهد حيث اعتقله الجنود الصهاينة و هو على قيد الحياة و أطلقوا عليه الرصاص لتعذيبه و للتحقيق معه ، و من ثم زيادة تعذيبه حتى استشهد ..
ثانياً : إن هذه الجريمة الصهيونية البشعة لن تمرّ دون عقاب ، و نقسم بالله العظيم أن انتقامنا لها سيكون أليماً جداً ..
ثالثاً : نعاهد الشهيد و كلّ شهداء شعبنا على إكمال المسيرة التي عبّدوها بدمائهم الزكية و البقاء في خندق المقاومة حتى دحر آخر صهيوني عن أرض فلسطين .
وإنه لجهاد .. نصر أو استشهاد
و الله أكبر و لله الحمد
كتائب الشهيد عز الدين القسام
25/12/2002 م الموافق 21/شوال/1423هـ