" الوهم المتبدد " و"الوعد الصادق"

عبد الناصر فروانة
2006-07-21

آمال فلسطينية كبيرة نأمل أن تتحقق عبد الناصر عوني فروانة منذ أكثر من عشرين عاما وأنا أحلم بعملية تبادل جديدة وبالتحديد منذ العشرين من أيار عام ألف وتسعمائة وخمسة وثمانون وأنا أحلم…

منذ أكثر من عشرين عاماً وأنا أحلم بعملية تبادل جديدة، وبالتحديد منذ العشرين من أيار عام ألف وتسعمائة وخمسة وثمانون، وأنا أحلم بتكرار عملية الجليل، تلك العملية التي تحرر بموجبها (1150) أسير - ومن ضمنهم "أبي" بعد أن أمضى أكثر من خمسة عشر عاماً في سجون الاحتلال الإسرائيلي - والتي جرت وفقاً للشروط الفلسطينية واعتبرت - ولازالت حتى الآن - أعظم عملية تبادل شهدها الصراع العربي - الإسرائيلي وأكثرهم زخماً.
مُنذ ذاك التاريخ وأنا أحلم بأن يعود الأسرى لبيوتهم، لأطفالهم، لأهلهم كما عاد لي أبي... أحلم بأن تلامس أشعة الشمس أجسادهم قبل أن يفارقوا الحياة، أحلم بأن ينعم أطفال الأسرى بحنان آبائهم وبرؤيتهم صباح مساء وليلتقوا ويتعانقوا بلا قيود وبلا قضبان .
فالبندقية صمتت كثيراً وإطلاق النار توقف طويلاً، وبقي الأسرى رهائن في السجون، والسجانون يتلذذون بتعذيبهم وقهرهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية !
وأعدادهم في ازدياد مضطرد ووصلت الآن إلى قرابة العشرة آلاف، ومعاناتهم تتفاقم، وجرحهم يتسع، والتعنت الإسرائيلي على حاله، وأملهم بالإفراج دخل غرفة الإنعاش، وهذا ما دفع البعض من فصائل المقاومة إلى التفكير جدياً في إعادة النظر في سياسة صمت البندقية، واللجوء إلى أساليب أخرى تجبر حكومة الاحتلال على إطلاق سراح أسرانا .
وبعد محاولات عدة، نجحوا مؤخراً في أسر الجندي "جلعاد شليت" بعد عملية بطولية مشتركة لثلاثة فصائل مقاومة أطلق عليها "الوهم المتبدد" واستشهد خلالها المقاتلان محمد فروانة، وحامد الرنتيسي وقتل فيها ثلاثة جنود إسرائيليين وعاد الباقون إلى قواعدهم بسلام ومعهم غنيمة لا تقدر بثمن تلك الغنيمة التي شكلت أملاً للأسرى، نعم انتعشت آمالنا وآمال الأسرى وتنفس الجميع الصعداء ، مناشدين في الوقت ذاته آسري الجندي بالحفاظ على حياته والتمسك بشروطهم وبضرورة مبادلته بالأسرى خاصة أولئك القدامى، مع إدراكنا لصعوبة الظروف واختلال موازين القوى .
ومع ذلك أعيش كغيري على الأمل والحلم الذي لم يتحقق بعد! كما وحلمت مراراً بأن يكون لنا أكثر من أبو عمار وجورج حبش وعبد الناصر، أكثر من أبو علي مصطفى وأبو جهاد ووديع حداد، أكثر من الياسين والشقاقي، وأحببت كثيراً تشي جيفارا وكاسترو وكوزموتو ، واليوم أدعو الله أن يحمي لنا سماحة الشيخ المجاهد القائد حسن نصرالله وأن يطيل عمره، وأحلم وأحلم بأن يكون لأمتنا أكثر من حسن نصرالله!
ولحسن حظي سنحت لي الظروف قبل شهور بزيارة عمل للبنان زرت خلالها بيروت العاصمة والجنوب المُحرر، ومخيمات البطولة والعزة، ومعالم الصمود والإرث المشَّرِف للثورة الفلسطينية، وتَشرفت بلقاء عدد كبير من الفلسطينيين واللبنانيين صانعي التاريخ الرائع والمشرف، ومنهم مجموعة من قيادات وأعضاء وأسرى محررين من حزب الله، فكم كانوا رائعين في استقبالنا وكم كانوا نماذجاً للمقاتلين حقاً، وكم ازددت فخراً واعتزازاً بهم وبتجاربهم، وحينما تُحدث كلٍ منهم عن الأسرى في سجون الاحتلال يجيبونك بعبارة موحدة "قضية الأسرى تقف دائماً على سلم أولوياتنا وعملياتنا، وننتظر فقط الوقت المناسب والظرف المناسب ونعدكم بأن لا ولن ننسى هؤلاء الأسرى" .
واليوم كما الأمس نشهد بأنكم عظماء، لقد أوفيتم بوعدكم "الوعد الصادق"، ولا نملك نحن الفلسطينيون إلا التأييد لكم ولمقاتليكم ولمقاومتكم المشروعة للاحتلال، والتأييد المطلق لعمليتكم النوعية التي حملت عنوان الأسرى وتحريرهم رغم إدراكنا لتداعياتها وعواقبها الخطيرة، وحتى جنرالات العدو شهدت لكم واستحضر هنا ما قاله النائب عامي آيالون والذي كان قائد سلاح البحرية " كنت سأفتخر لو قدت عملية كوماندو كتلك التي قام بها حزب الله " .
ومن غزة البطولة أحييكم وأشد على أياديكم وأعانقكم جميعاً بحرارة الثوار، وأناشدكم بأن تحققوا حلمنا وأن تكرروا "عملية الجليل" وأن تجبروا حكومة الاحتلال على الرضوخ لمطالبنا والإفراج عمن تضع فيتو عليهم وتصف "أياديهم ملطخة بالدماء الإسرائيلية" ، فهؤلاء الأسرى دافعوا وقاتلوا من أجل قضايا ومقدسات وشرف وكرامة الأمتين العربية والإسلامية ومن واجبنا جميعاً العمل الجاد والدؤوب من أجل تحريرهم من الأسر، وويل لأمة لا تسعى لتحرير أسراها .
وأتساءل أما آن الأوان لأن يتحرر من هُم معتقلون منذ ما قبل أوسلو وعددهم (369 أسير)، وأن يعود القنطار إلى عائلته في قرية عبية، وأن يتحرر العتبة وسلمة، وأن تعانق عائلتي يونس وأبو مخ أبنائهم الأبطال، وأن تحتضن الجولان المحتلة صدقي وبشر المقت، وسيطان وعاصم والي، وأن تستقبل غزة أبطالها حرز والحسني والكيال وبارود، وأن تحتفي القدس بعودة أبنائها الرازم والمسلماني والبازيان فهؤلاء وأكثر من هؤلاء وبالضبط (64 أسيراً) أمضوا أكثر من عشرين عاماً ولازالوا في الأسر منهم (7 أسرى) أمضوا أكثر من ربع قرن .
أضف إلى ذلك هناك (117 أسير) أمضوا أكثر من خمسة عشرة عاماً وأقل من عشرين عاماً ، وهناك (246 أسير) أمضوا أكثر من عشر سنوات وأقل من خمسة عشر عاماً، وبذلك يصبح مجموع من أمضوا أكثر من عشر سنوات (427 أسيراً)، وهناك (359 طفلاً) لم يتجاوزوا الثامنة عشر، وهناك (105 أسيرات) وهناك (40 نائباً) من المجلس التشريعي الجديد و(8 وزراء) من الحكومة الفلسطينية ، وهناك العشرات من القادة أمثال مروان البرغوثي وأحمد سعدات وفؤاد الشوبكي وحسام خضر وحسن يوسف وعبد الرحيم ملوح، وهناك المئات من المرضى وهناك وهناك... حتى وصل عدد من لا زالوا في السجون الإسرائيلية إلى قرابة عشرة آلاف أسير من أصل (50 ألف) تم اعتقالهم خلال انتفاضة الأقصى، في حين اعتقلت قوات الاحتلال منذ العام 1967 وحتى الآن قرابة (700 ألف) مواطن فلسطيني .
ألم يحن الوقت لأن يتحرر كل هؤلاء وأن ينعم ويفرح شعبهم باستقبالهم، وأن يوقف الاحتلال عدوانه المتواصل وحربه المجنونة، وأن ينسحب من أراضينا وتعود لنا حقوقنا المشروعة، وأن تصمت البندقية حقاً لننعم جميعاً بالأمن والسلام والحرية ..

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026