فشل المخطط الصهيوأمريكي في غزة ومحاولة الانقلاب على الشرعية

فشل المخطط الصهيوأمريكي في غزة ومحاولة الانقلاب على الشرعية

عمر نجيب
2007-06-18

مباشرة بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت يوم الأربعاء يناير وشهد العالم كله بديمقراطيتها وتشكيل الحكومة من طرف حركة المقاومة الإسلامية حماس بعد ذلك بأسابيع قليلة…

مباشرة بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت يوم الأربعاء 25 يناير 2006 وشهد العالم كله بديمقراطيتها، وتشكيل الحكومة من طرف حركة المقاومة الإسلامية حماس بعد ذلك بأسابيع قليلة، حاولت خلالها أن تكون حكومة وحدة وطنية بمشاركة فتح أساسا، تحركت الآلة الغربية الإسرائيلية لتفرض حصارا ماليا وماديا شرسا على الفلسطينيين فحرمت الحكومة برئاسة إسماعيل هنية حتى من الأموال الضرورية لدفع أجور الموظفين أو تنفيذ المشاريع، كما حظرت على البنوك عربية ودولية التعامل مع الحكومة الجديدة المنبثقة عن اختيار ديمقراطي كثيف من طرف زهاء أربعة ملايين فلسطيني. الهدف من هذا الحصار الذي يعتبر من الأعتى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وغيره من أشكال الحرب كالتآمر والسجن والقتل ضد الفلسطينيين كان إسقاط حكومة حماس وتحريض الشعب عليها.

كل هذه المخططات لم تنجح في الوصول إلى أهدافها، وبعد أن استطاعت قيادات حماس وفتح تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في شهر مارس 2007 وأخذت هذه التشكيلة الجديدة تنجح في فتح ثغرات في جدار الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني صعد الخصوم والأعداء من هجمتهم إما بشكل مباشر أو عبر وسطاء محليين مغرر بهم او من قبل هؤلاء الذين رضوا لأنفسهم ان يكونوا عملاء او ممثلين للأجنبي والمحتل، وذلك جريا وراء مكاسب فردية ووهم سلطة.

تشكلت حكومة الوحدة الوطنية بين فتح وحماس على اساس اتفاق مكة، غير ان العراقيل وضعت امام عمل هذه الحكومة وأمام تنفيذ بنود اتفاق مكة خاصة حول صلاحيات وزير الداخلية وجهوده لإنهاء حالة الإنفلات الأمني والقضاء على التجاوزات والجرائم التي مارستها أطراف معروفة في الأجهزة الأمنية والتي وصلت إلى حد اغتيال أو محاولة قتل قيادات فلسطينية وتنفيذ المطالب الإسرائيلية.

مرة اخرى تكررت محاولات المخلصين لوقف هذا النزيف ومنع وصول الأمور الى نقطة اللاعودة، ولكن التيار الانقلابي عاكس كل تلك المحاولات مما دفع حتى الجانب المصري الذي كان يتوسط على الساحة مباشرة في غزة الى الجهر بإدانة التآمر الذي لا يخدم سوى العدو الصهيوني.

 

حماس اضطرت للحسم العسكري

لهذا اضطرت حماس في النصف الأول من شهر يونيو الى حسم الصراع في قطاع غزة عسكريا بعد أن صبرت لأكثر من سنة على عمليات القتل وتحويل مليون ونصف فلسطيني يعيشون في القطاع الى رهائن داخليين لقوى متمردة إضافة إلى حصارهم من جانب عدو خارجي معترف بصفته محتلا سالبا لكل الحقوق.

في بداية عملية الحسم العسكري في غزة راهن البعض على حرب طويلة بين 12 ألفا من مقاتلي حماس وأكثر من 33 ألفا من رجال مختلف أجهزة الأمن غير الخاضعة لإمرة الحكومة، البعض الآخر من خصوم حماس وحكومة الوحدة الوطنية طبلوا لما توقعوا أن تكون حربا أهلية تحرق الأخضر واليابس وتسقط الشعب الفلسطيني في فخ الفتنة بدل مواجهة الاحتلال.

هذا الرهان سقط كذلك، فخلال أربعة أيام انهارت القوات غير المحسوبة على حماس وبخسائر بشرية مؤلمة ولكن قليلة لما توقعه البعض لم تتجاوز 100 قتيل.

هذا الإنهيار شكل صدمة لكل حلفاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس في المنطقة، وخاصة الولايات المتحدة التي مولت تدريب عدة آلاف منهم وسلحتهم بمعدات وسيارات أمريكية وبريطانية.

مصدر أمني مصري رفيع المستوى، قال لبي بي سي العربية إن سبب الانهيار هو أن "العقيدة القتالية" لأعضاء القوات الأمنية التابعة لحركة فتح كانت غير مهيأة لتقبل فكرة أن الخطر قادم من مقاتلي القوات التابعة لحماس وليس من قبل القوات الإسرائيلية. الواقع هو أن تل أبيب وواشنطن يجانبون فهم حقيقة ان غالبية من الشعب الفلسطيني وبالتالي من كل من يحمل السلاح غير مستعدة للسقوط في فخ الحرب الأهلية أو الدخول في صراع طويل مدمر ودامي مع طرف لا يخدم المخططات الصهيونية والانقلابية على خياراته.

حسم مواجهة غزة فضح كذب اسطورة الحرب الأهلية وأسقط كذلك الاتهامات الموجهة الى حماس عن انها انقلبت على الشرعية، وانضواء الجزء الأكبر من الأجهزة الأمنية تحت إمرة حكومة الوحدة الوطنية يرسل إشارات تحذير إلى هؤلاء الذين يتصورون انه سيمكنهم مواصلة التحكم في منطقة الضفة.

من هذه المنطلقات يجب النظر إلى التطورات السياسية المتعاقبة بعد نهاية مواجهات غزة، وبالتالي تحليل التحركات داخليا وخارجيا.

 

الانقلاب الحقيقي على الشرعية

بمجرد أن فشل مخطط الحرب الأهلية أو النجاح في تصفية القوة العسكرية لحماس أقدم الرئيس محمود عباس على خطوة غير دستورية وغير قابلة للتنفيذ فأعلن حالة الطوارئ، وأقال حكومة الوحدة الوطنية وأمر بإقامة حكومة طوارئ يوم الجمعة 15 يونيو وكلف وزير المالية في حكومة الوحدة سليم فياض بتشكيلها، ولعجزه عن ضمان موافقة المجلس التشريعي الفلسطيني عليها أصدر مرسوما يتجنب ذلك. هذه الخطوات حتى لو مررها البعض غير قابلة للاستمرار لأنه حسب القانون الأساسي الفلسطيني يجب أن تتقدم الحكومة الجديدة بطلب الثقة خلال 30 يوما كما لا يمكن للرئيس تمديد الطوارئ لأكثر من شهر دون مصادقة ثلثي المجلس التشريعي وهذا مستحيل كذلك على الرئيس عباس.

وفي محاولة لتبرير خطوات أبو مازن ذكر مكتبه "قرر السيد الرئيس محمود عباس تعليق العمل بأحكام المواد 65 و66 و67 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 وذلك استنادا لأحكام الباب السابع للقانون الأساسي المعدل لسنة 2003 وتعديلاته."

وتتعلق المواد الثلاثة التي تم تعليق العمل بها بمسألة تكليف رئيس الوزراء وإعطائه ثلاثة أسابيع لتشكيل الحكومة الجديدة وحصولها على ثقة المجلس التشريعي بالأغلبية المطلقة وأدائها بعد ذلك اليمين الدستورية أمام الرئيس.

وفي رد على هذا التحايل قال احمد بحر رئيس المجلس التشريعي بالإنابة في تصريحات صحفية إنه "لا يوجد أي نص سواء في الباب السابع أو في جميع مواد القانون الأساسي الفلسطيني يحتوي على ما يسمى "حكومة إنفاذ حالة الطوارئ". في حين أكدت حكومة هنية أن قرارات الرئاسة باطلة ولا أساس قانونياً لها.

 

حجم المؤامرة

من الدال على خطورة حجم المؤامرة التي افشلت في غزة، ان خطوات الرئيس عباس في محاولته الإنقلاب على الشرعية والديمقراطية لقيت ترحيب واشنطن وحلفائها الغربيين وبالطبع من الكيان الصهيوني، هؤلاء الذين حاصروا وقاتلوا وتآمروا على حكومة بزغت عن انتخابات ديمقراطية وحرة وبأغلبية قوية، رغم تشدقهم بالدفاع عن الحرية والديمقراطية.

أول المرحبين بالانقلاب على الشرعية كان الرئيس بوش حيث أعلنت الولايات المتحدة حتى قبل تشكيل ما سماه بعض المعلقين في بريطانيا بحكومة الظل، عن قرارها رفع الحظر المفروض على الحكومة الفلسطينية، حالما تستلم الحكومة المعينة مهامها.

والواضح أن واشنطن بخطوتها هذه تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه الآن وذلك بدعم عباس ماليا من أمل أن يستعيد سيطرته على الأمور في غزة.

ومن أجل هذا الهدف أبلغ القنصل الأمريكي العام جاكوب والز الرئيس الفلسطيني أن الولايات المتحدة سترفع حظرا على المساعدات المباشرة عن حكومة الطوارئ التي يعكف على تشكيلها وزير المالية سلام فياض، وانه سيتم ضخ الأموال لدفع رواتب الموظفين كما سيرفع الحظر المفروض على البنوك في التعامل مع الفلسطينيين.

إنها قمة الصفاقة واعتراف علني بالتآمر.

 

العديد من المحللين قالوا إن الخطوة الأمريكية التالية ربما تكون دعم فتح عسكريا أكثر من أي وقت سابق في الضفة الغربية وعزل حماس في غزة حتى يسهل حصارها ماليا واقتصاديا واستهدافها عسكريا من طرف القوات الصهيونية، وهو ما سيؤدي وفق الرؤية الأمريكية إلى انهيارها السريع، لكن المرجح أن العكس هو الذي سيحدث ويحذر محللون غربيون من أن ذلك سيؤدي إلى زيادة تشددها وتقوية قاعدتها الشعبية، كما سيدفع العديد حتى من أنصار عباس الى الانقلاب عليه لأنه لا يعقل أن يقبل مليونين من الفلسطينيين في الضفة تجويع مليون ونصف من شعبهم في غزة بأمر من حكومة الطوارئ.

 

مخطط القوات الدولية

 المخطط الأمريكي الإسرائيلي يتضمن فصلا آخر ويقوم على أساس فكرة وضع قوات دولية على حدود غزة مع مصر وكذلك مع الأراضي المحتلة سنة 1948 وذلك لمنع تزود غزة بالسلاح والمؤمن من مصر، وكذلك لوضع قوة عازلة بين غزة وباقي فلسطين تسهر بقوة السلاح على منع المقاومة الفلسطينية من العمل ضد الجيش الصهيوني ومستوطناته.

وقد ذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية يوم الأحد نقلا عن مصادر فلسطينية في رام الله أن ثمة خطة تم إعدادها في مكاتب محمود عباس يدعو فيها إلى مقاومة حازمة لما أسماه انقلاب حماس العسكري في قطاع غزة.

وقالت الصحيفة إن معظم الأطراف الدولية وافقت على خطة عباس بما فيها الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية ومعظم الدول العربية.

ولكن اللافت بحسب هآرتس أن المعارضة لهذه الخطة تأتي من داخل حركة فتح ممثلة بمروان البرغوثي الذي لم يدل بأي تصريح يدين فيه حماس رغم دعوته للقيام بذلك من قبل ممثلي عباس.

ووفقا لهذه الخطة، فإن عباس سيصر على رفض التفاوض مع حماس أو التوصل معها إلى تسوية، مذكرة برفضه اللقاء مع مدير المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل.

ولفتت الصحيفة النظر إلى أن ممثلين عن عباس طلبوا من عدد من شخصيات مستقلة في قطاع غزة الانضمام إلى حكومة الطوارئ ولكن أحدا منهم لم يوافق.

وتنطوي كذلك خطة عباس على استمرار الحصار على غزة، وسط السماح لإسرائيل ومصر بإدخال معونات إنسانية ضئيلة.

وحول معابر غزة ستبقى وفقا للخطة محكمة السداد أمام كل شيء باستثناء الإمدادات الطارئة من المياه والكهرباء التي تأتي من إسرائيل.

ونبهت الصحيفة إلى أن عباس سعى وتلقى مباركة بعض الحكومات للخطة البديلة التي تدعو إلى نشر قوات عربية أو دولية في غزة.

أما الحرس الجديد في فتح بقيادة البرغوثي فقد أبدوا تحفظاتهم على تلك الخطة، ولكن اللافت أن المعارضة تأتي من قيادي بارز في الحركة وهو أحمد حلس المنافس لمحمد دحلان الذي بقي في قطاع غزة مع مجموعة بارزين من أعضاء فتح يعقدون مباحثات مع قيادة حماس.

وأشارت هآرتس إلى أن المعارضين من فتح لهذه الخطة يقولون إن عباس محاط بمجموعة من المستشارين لا تربطهم صلة بالواقع.

رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت تبع بوش مباشرة في دعم الحركة الانقلابية حيث قال إن آمال السلام قد انتعشت بعد تشكيل حكومة فلسطينية من دون حماس. و صرح أولمرت قبل أن يتوجه إلى الولايات المتحدة لإجراء مباحثات بأن إسرائيل تعتبر الحكومة الفلسطينية المعلنة شريكا في عملية السلام، وإن استبعاد حماس منها "فرصة سانحة"، وأضاف إن الحكومة الفلسطينية المعلنة، قد "ترفع من حظوظ السلام"، كما قد تصب في "مصلحة الفلسطينيين". واعتبر كذلك أن التطورات الأخيرة جعلت الوضع "أكثر وضوحا". وأضاف "إن الحكومة الجديدة تقدم فرصة غابت منذ مدة طويلة".

التطبيل لمحاولة الانقلاب التي تبناها عباس عرفت كذلك تأييد أعضاء اللجنة الرباعية التي تضم بالإضافة إلى الولايات المتحدة الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة وقد وصفت بـ"الشرعية" قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس إقالة حكومة إسماعيل هنية.

في نفس الوقت الذي حسمت فيه معركة غزة لصالح حماس، تحركت تل ابيب لتشديد الحصار القائم. حيث دعا وزير البنية الأساسية الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر الذي يسيطر مكتبه على إمدادات الوقود الإسرائيلية إلى فصل كامل بين قطاع غزة والضفة الغربية. وقال بن اليعازر لراديو الجيش الاسرائيلي "علينا ببساطة زيادة عزل غزة... أريد وقف كل شيء."

وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن أغلب السيارات في غزة من الممكن أن تتوقف تماما خلال أسبوعين نظرا لحرمانها من إمدادات الوقود.

أنصار الانقلاب على الشرعية لم يخجلوا في الكشف عن تواطئهم مع أعداء شعبهم حيث صرح صائب عريقات وهو من كبار مساعدي عباس انه طلب من إسرائيل السماح بمواصلة تقديم إمدادات الوقود والمواد الخام لغزة الذي يسكنه 1.5 مليون فلسطيني حتى إشعار آخر، أي حتى فقدان الأمل في إسقاط حكومة الوحدة.

غير أنه رغم هذه التصريحات المسرحية قالت شركة طاقة إسرائيلية إنها خفضت إمدادات الوقود لقطاع غزة يوم الأحد لتكثيف الضغط على حركة المقاومة الإسلامية. وذكرت متحدثة باسم شركة دور الون وهي واحدة من أكبر شركات الوقود في إسرائيل والمورد الرئيسي لغزة "ما زلنا نمد محطات الكهرباء في غزة بالوقود ولكن ليس محطات البنزين الأصغر".

فصل آخر بدأ في كفاح الشعب الفلسطيني الذي سينتصر مرة أخرى ضد المؤامرات فهذا هو المسار الطبيعي للتاريخ.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026