الشهيد القسامي/ حيدر محمد محمد حسونة
اتصفت حياته بالإخلاص والوفاء
القسام ـ خاص :
عبر أمواج البحر الهادر يسري نسيم يداعب صفحات الوجوه ، ومن على أشرعة المبحرين ترقب العيون متى القدوم ؟؟ ، وتجول في حيرة النسمات متساءلة عن سبب الغياب ، أبا محمد نسمات البحر عنك تسأل فبماذا نجيب ؟؟، ومن سيطيق لفها بالأحزان بعد النبأ ، أبا محمد خلفت وراءك مدامع المحبين ، أبا محمد سنشتاق لبسمتك وسنتوق لطلتك يا عاشقا لك مع البحر أسرار .
الميلاد والنشأة
بجوار البحر الذي طوت أمواجه أسرار العاشقين وغدت بهديرها صانعة الرجال بزغ فجر حيدر حسونة سابع أيام شهر ديسمبر عام 1972 م ، وترعرع حيدر في أحضان أسرة مؤمنة متواضعة طيبة لأصولها مع البحر حكاية فهم من بلدة الجورة في فلسطين المحتلة ، ومن على شاطئ بحر رفح كانت بداية الانطلاق لرجل ترك حبه ساكنا في قلوب عارفيه ، وخلد في الأذهان نبراس داعية مجاهد ، حيدر ما فتئ يضرب أروعة الأمثلة لكل من رام الإخلاص والوفاء والحب في حياته ،
من بيته المنطلق
تلمح أثر هذا الشاب اليانع في بيته من بين ثنايا الكلمات ، وتبصر قدوة عملاقا في حسن المعاشرة وطيب الصفات ، ومنذ بداية حياته وأول نشأته أخذ العهد على نفسه أن يكون المسئول عن أهل بيته وتألق في بره وجدية وقفاته ، درس حيدر الابتدائية في مدرسة العمرية حتى بلغ الصف السادس الابتدائي و بسبب عملية جراحية قام بها والده في عينيه دفعته ليترك مقاعد الدراسة قائلا لوالده الذي أبى عليه ذلك : " أريد أن أجاورك لأخدمك " فرافق أباه في مرضه وعمل على خدمته موفيا بوعده ، وغدا حيدر بين مشاق الحياة متنقلا يتعلم صنعة تلو صنعة ليحصل على لقمة العيش الحلال لبيته مغموسة بعرق جبينه رغم حداثة سنه .
وأثبت حيدر ذكاءا حادا في كل صنعة يتعلمها بسرعة فائقة ويصبح مبدعا فيها وعارفا لخباياها في وقت قصير من مزاولته إياها ، تعلم بداية فن الخياطة فأتقنه ثم عرج إلى عمل الميكانيكا للسيارات فلم يتجاوز وقتا طويلا حتى احترفها ، وعمل سائقا لسيارة ونهاية المطاف عمل في انضباط الشرطة الفلسطينية في ظل حكومة حركة حماس العاشرة إلى أن استشهد وهو في عمله الشرطي أواخر عام 2008 م ،
إن سنوات الكدح التي عايشها حيدر لأجل سعادة بيته وأسرته لتدلل على رجل منذ صغره متفان في طاعة والديه حريص على برهما ونيل رضاهما ، كما تحكي قصة أب حنون على زوجته وأبنائه الخمسة حيث كان لديه ولدين وثلاثا من البنات ، و تصف أخا رؤوفا بإخوانه قريب منهم ولن تفي كل الكلمات ومنتهى العبارات حق أبي محمد في هذا السياق ،
ومن بعض ما يذكر عنه سعيه الحثيث ليدخل سعادة على أبويه وأخته لا تطويها القفار فكان سببا بعد الله عز وجل بأن مكنهم من أداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرام ملبيا لهم المنى جامعا من مصروف جيبه ومؤثرهم على نفسه .
ورغم انتقاله من البحر ليسكن في حي تل السلطان لا تمر عليه الأيام دون أن يسأل عن والديه ويطمئن عليهما باستمرار ، ودائما ما يرتحل إلى البحر زائرا لأهل بيته ورفقة عمره.
في مسجد الرحمة كانت البداية
أبا محمد لا تراه يتحدث إلا في كل خير يقرب من الله وينتهي عن الكلام في سفاسف الأمور والملهيات عن ذكر الله ، جد في العبادة وشمر عن ساعد الجد في طلب رضا مولاه وأحسن المعاملة وطيب المخالطة مع الناس فحاز محبة ربه والقبول لدى قلوب من عرفه ورآه ، تخرج هذا الفارس الهمام من مصانع الرجال ومن على موائد القرآن فمنذ صغره محافظ على صلاة الجماعة ملازم لمصحف تاليا لكتاب ربه ، ولما أيقن أن الغاية غالية سارع في صيام النوافل وقيام الليل ، واقترنت عبادته بسلوك رباني فابتسامته دائمة وتواضعه جم هادئ الطباع سريع الصفح متعجل المسامحة ، ونظرا لخبرته في شتى الأعمال كان ملاذ من أراد خدمة أو إصلاح حاجة فهو الخدوم وعلى أتم الجاهزية وبمنتهى السعادة ،وكونه المحبوب صاحب القلب الحليم والقريب من الناس يشاركهم أفراحهم وأتراحهم كان مناط الإصلاح في الخلافات وفض النزاعات وحل المشكلات ،
ولا بد لأصحاب الفطرة السليمة أن يعيشوا هم الدين المظلوم أهله في بقاع الأرض ، فلم يتخاذل أبو محمد عن النصرة والالتحاق بركب الحركة الإسلامية في فلسطين ملبيا نداء الدعوة والجهاد ، ومنذ بدايات النشأة والتكوين لحركة المقاومة الإسلامية حماس كان أبا محمد المبادر للإنضمام إلى صفوفها داعية مجاهدا ،
وحمل أبو محمد هذا الهم العظيم وتنقل بين مساجد منطقة البحر والتي عانت فقرا في الدعاة ينشر الصحوة الإسلامية ويغذي الجيل بالمفاهيم الإيمانية يلفهم في حلق القرآن يعلمهم ويربيهم دون كلل أو ملل وبكل حرص ومداومة على العمل ،
قسامي مخلص ومحبوب
إنها حدود لمن وقف على ثغرها أجرين ، ولا يعلم قدرها إلا أولو الفهم من الرجال ، رام أبو محمد أو كما اشتهر بين أحبابه "بأبي إسلام " أن يعمل جنديا قساميا يدافع عن ثغور رفح البحرية ، وبعد إندحار الصهاينة عن القطاع الحبيب عزم على أن يكون من النواة الأولى التي تؤسس للجهاز العسكري التابع لحركة حماس على منطقة البحر رغم أن سكناه كان في حي تل السلطان ، وتميز أبو محمد بسرية تامة وكتمان عالي وحفاظ على لثامه يخطو على خطى المخلصين أهله لأن يعمل في المجال الأمني الخاص بالحركة والقسام ، وفي رحتله الجهادية أبدا مصابرة على التدريب والرباط رغم ما كان يعانيه من آلام وغضروف في رقبته ، ونال أبو محمد ثقة إخوانه ليكلف بأن يكون مسئولا لمجموعة قسامية مجاهدة ، وليست توصف سعادة المجاهدين المرابطين عند علمهم بقدوم أبي محمد للرباط فيلازمه لما يتميز به من إبتسامة ومودة ونكتة خفيفة ترطب عليهم أجواء الرباط وتلين عليهم طول الليل وقرص البرد .
طالب أمه بأن تدعو له بالشهادة
إنه العشق الذي يعانق قلوب تلهفت للقاء الله ، إنه الشوق الذي يحث الخطى لتسارع نحو جنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وتهون في سبيل نيل المنى الدماء وترخص على طريق الوصول للغاية الأرواح ، وغدا أبو محمد في طلب الشهادة ملحاح ، وكان لا يفارق أمه إلا ويترك بين يديها وصية زاهد مودع "أرجوك يا أمي ادعي لي بالشهادة " وتتحامل الأم على نفسها محتارة بين خوف على فراق فلذة كبدها وإلحاح لابن غالي لا ترد له طلبا ، وفي أيام اللقاء أو الوداع الأخيرة صمم أبو محمد على طلبه وألح على أمه مستحلفا : " بالله يا أمي ما تزعليني ، اتمني لي الشهادة " ، وأوصاها أن تودعه بالزغاريد فهو عريس الجنة
رحيل الفارس
ارتحل العاشق المتفاني حاملا نفسه للسلام على أهله زائرا والديه وإخوته في البحر يوم الجمعة ، وأطال هناك النظرات وأناخ بأبواب رفاقه طلبا بأن يسامحوه وغادر بعض بيوتهم وعاد ثانية مؤكدا على كلامته المسامحة المسامحة ، وألقى ببصره على أمه الحنون نظرة وداع وأكد عليها قوله ببيت شعر: من لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد كلمات مودع لو علمت القلوب منها مغزى الحروف ولغز العبارات لضمتك أبا محمد الضمة الأخيرة لتغدق عليها من دفء قلب طالما أحب وأحب ، وغادر أبو محمد الديار التي فيها نشأ وترعرع وفارقت عيونه الأهل والأحباب في أجمل وداع.
وفي اليوم التالي السبت 27 / 12 / 2008 والأول من المجزرة الصهيونية بحق أهالي قطاع غزة ذهب أبو محمد إلى عمله في الشرطة الفلسطينية في مهمة إصلاحية حيث كان يعمل رقيب أول في انضباط الشرطة بمقر محافظة رفح .
وأثناء دوامه وعمله أغارت طائرات الحقد الصهيونية على موقع محافظة رفح بصواريخ الأف 16 الجبانة ، لتحصد في الموقع 21 شهيدا كان من بينهم ريحانة بحر رفح حيدر محمد حسونة ورفاق دربه معين القن وياسر الشاعر ،
ويرتحل أبا محمد شهيدا مدرجا بالدما ، صدق الله فلبى له المنى ، ودعتك القلوب التي سكنت في حناياها ، ودعناك أبا محمد وداع الرجال الأبطال ،
ولن تنسى الأرض منك الجد ، رحلت وتركت للبحر نسمات عشق تود مداعبة خدك تود منافحة عطرك تود حمل سرك ، ويلوح الموج يهدر يصنع أمثالك الأبطال .
رحمك الله أبا محمد وجمعك بأهلك الصابرين في جنات النعيم .... لا نقول وداعا فالملتقى الجنة .
{من المؤمنينَ رجالٌ صَدَقوا مَا عَاهدوا اللهَ عَليه فمنهُم مَن قَضَى نَحبَه ومنهُم مَن ينتظِر ومَا بَدّلوا تَبديلاً}
بيان عسكري صادر عن:
...::: كتائب الشهيد عز الدين القسام :::...
شهداء القسام في معركة الفرقان .. شامة فخر في غرة الزمان
وتستمر قافلة الشهداء في موكب مهيب بدأت طلائعه منذ أن أذن الله لنبيه بالجهاد، وتواصلت هذه الكوكبة العظيمة من الشهداء الأطهار، وكانت دوماً أرض فلسطين المقدسة الأكثر احتضاناً لأجساد الشهداء فطالما رويت أرضها بدمائهم الزكية وملائكة السماء استقبلت أرواحهم الطاهرة ..
وعلى هذا الدرب الشائك درب الجهاد والمقاومة يمضي أبطال كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذين أعلنوا بيعتهم لله وسلموا في سبيله أرواحهم وأنفسهم من أجل وطنهم السليب وقضيتهم العادلة ومقدساتهم المغتصبة وأرضهم المحتلة ..
وكانت "معركة الفرقان" ووقفنا فيها في وجه حرب الطغيان والإجرام التي شنها الكيان الصهيوني النازي ضد شعبنا الفلسطيني المرابط على أرض غزة الطيبة، وكانت معركة مختلة في توازن القوى المادية لكنها معركة تجلت فيها بشائر النصر وترسّخت فيها معاني الصمود والثبات والجهاد من قبل الثلة المؤمنة القليلة في العدة والعتاد، حتى باتت مفخرة للشعب الفلسطيني بين الأمم وصارت نموذجاً رائعاً من نماذج التضحية والمقاومة تعيد الأمة إلى ذاكرة أمجاد الأوائل وبطولات الماضي..
من هنا فإننا في كتائب الشهيد عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، ومن أرض فلسطين المباركة نزف إلى شعبنا المجاهد الصامد وإلى أمتنا العربية والإسلامية وإلى كل أحرار العالم شهداءنا الأبرار الأطهار الذين ارتقوا إلى العلا شهداء - بإذن الله تعالى- في "معركة الفرقان" التي بدأت بتاريخ 27-12-2008م وانتهت بتاريخ 18-01-2009م على أرض غزة الحبيبة.
سائلين الله تعالى أن يجعل دماءهم نوراً للأحرار وناراً على المعتدين الفجار، وعهداً أن لا تضيع هذه الدماء الزكية هدراً وأن نبقى الأوفياء لدرب الشهداء حتى نحرر أرضنا من دنس الصهاينة الغاصبين.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد ،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام – فلسطين
معركــة الفرقــان