الشهيد القائد/ مهدي جمال مشتهى
رجلٌ تفتخر به الميادين
القسام - خاص:
واحة الشهداء، كل يوم ينبت فيها شجرة من العطاء والتضحية والإباء، حتى غدت جنة تتوق النفوس أن تسمع عن أخبارهم، وكيف كانت حياتهم، فتأنس بسماع قصصهم القلوب، وتطرب بشذو نشيد فعالهم الآذان، وتدمع للقياهم مقل العيون، فهم الشهداء.
لنا وقفةٌ مع حياة من عاشوا حياتهم لأجل الله، ورضوا أن يقدموا في أرشيف الرجال أروع مثال، نقف مع الذين عملوا بصمت خلف الكواليس، فهم الجنود المجهولون الذين لا يرجون غير رضا الله فهم يسيرون على نهج قوله تعالى "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".
النشأة والتربية
رغم نُصح الأطباء لأمه بأن تجهض حملها به لأنها كانت تعاني من ارتفاع في الضغط والسكر، إلا أنها رفضت وقالت: ربما يجعل الله فيه خيراً، ليكتبَ الله سبحانَه أن يكون بطلاً من الأبطالِ الذين يعملونَ في سبيلِه ويدعونَ للخير، فولدَ مهدي في حيِّ الشّجاعيّةِ بمدينةِ غزّة في 14/11/1970م لأسرةٍ مؤمنةٍ عريقةٍ يعودُ أصلُها إلى بئرِ السّبع، أنشأته عائلته على الالتزامِ والطّاعة وكان المولودُ الحادي عشر بين إخوتِه وأخواتِه الذين تميّزَ بعلاقاتِه الحسنةِ معهم، مدلّلاً هادئاً لا يكثرُ البكاءَ كغيرِه من الأطفال، وعُرِف مهدي بمرحِه وتعاملِه بلطفٍ ولباقةٍ مع النّاس، يحبّ في الله، ويفعلُ الخيراتِ طمعاً بأجرِ الله، ويبرّ والديه امتثالاً لأمرِ ربّه، فعرفوه حنوناً عليهم، يكظمُ الغيظَ في نفسِه ويمنحُ ابتسامتَه للجميع، كما أنه من الشّبان الذين عشقوا دعوتَهم، حتّى شهد له جيرانَه وأقرباؤه بأنه كان أباً وأخاً وصديقاً.
كان مهدي رحمه الله قد درس مرحلتَه الابتدائيّةَ في مدرسةِ هاشم الابتدائيّة، ثمّ في مدرسةِ ذكور الشجاعيّةِ لدراسةِ المرحلةِ الإعداديّة، لكنّ هذا الخطّ التعليميّ قدّر الله له أن ينقطعَ ومهدي في الصّف الحادي عشر، وكانَ حينها في مدرسةِ يافا الثّانويّة، وذلكَ لأنه تمّ اعتقالُه هو الآخر على يدِ القوّات الصّهيونيّة، إلا أنّه كان متفوّقاً مواظباً يذهبُ إلى مدرستِه رغمَ الخوفِ الذي كان يهدّد أبناءَ الشعب، إضافةً إلى حالةِ الإغلاق والحصارِ وغيرِها من الأمورِ القاسيةِ التي كان يفرضُها عليهم الصّهاينة. فكانَ رحمةُ الله عليه بمثابةِ قدوةٍ لزملائِه في الالتزامِ بالدّراسةِ والأخلاقِ والواجبات.
وفي عامِ 1994م، تحوّلَ مهدي ليعملَ في أرضٍ لهم كانت في محافظةِ الشّمال، قامَ برعايتِها والاهتمامِ بها مدّةَ ثلاثِ سنوات، وقد حصلَ على خبرةٍ في رعايةِ الأراضي الزّراعيّة، ثمّ عادَ ليعملَ في متجرِ والده مرّةً أخرى.
ملتزمٌ في ركب الدعوة
لعلّ الموقفَ كانَ بسيطاً حينها، إلا أنه كانَ بدايتَه في رحلتِه المباركةِ مع المسجد، إذ جاءَه شقيقه روحي مستغلّاً بذلك موهبتَه في كرةِ القدم، وأهداه زيّاً رياضيّاً لينضمّ إلى فريقِ المسجد، وحدثَ ذلك وانضمّ مهدي إليهم وبدأَ يشاركُ شبابَ مسجدِه في النشاطاتِ الملائمةِ لسنّه، وكان آنذاك يبلغ 12 عاماً، أي في عام 1982م، ثمّ إلى أن صارَ كأبيهم الذي يعلّمهم الدّروس، لا سيّما تلك المواعظِ التي كانَ يتلوها بعدَ صلاةِ العشاء من كلّ جمُعة، حيثُ يقولون أنه كانَ بمثابةِ أبيهم أو أخيهِم الكبير، وأنهم تيتّموا بعدَ استِشهاده، لأنه كانَ رحمه الله من الذين همّتهم الدّعوة لذا فقد منحتهم الدّعوةُ شرفَها الكبير، كما أنهم لا يذكرونَ يوماً واحداً شاهدوه فيه وهو عابسُ الوجه.
لقد كان مهدي أصغرَ معتقلٍ لدى القوّاتِ الصهيونيّةِ في سجنِ النقب، إذ اعتقلته قبلَ أن يتجاوزَ 18 عام ليقضي في السجن أربعة أعوام، وهناكَ التقى بالعديدِ من قياداتِ الحركةِ الإسلاميّةِ في الضّفةِ والقطاع، فبدأ ينهلُ منهم التّربيةَ وفهمَ الإسلامِ وتعلّم فنون الدّعوة، وقد بايعَ جماعةَ الإخوان المسلمين وهو في سجنِه رحمه الله، وتمّ عزله من قبلِ آسريه إلّا أنه استغلّ فترةَ عزلِه بالاطّلاع وقراءةِ العلومِ وكسبِ المعارف، ويُذكرُ أن أوّل ندوةٍ أدّاها في سجنِه كانت أمامَ الدكتور إبراهيم المقادمة رحمه الله، والشيخ عبد الفتّاح دخان.
كانَ يمتلكُ أبو عبادة رحمه الله شخصيّةً واسعةً، فيفقه العقيدةَ والأحكامَ والسيرةَ والأمنَ والسّياسةَ والرّياضةَ والاجتماع، ويحاولُ قدرَ المستطاعِ أن يعكسَ ذلك على الجيلِ الذي يؤسّسه هو، جيلاً مثقّفاً يعلمُ متى وإلى أين يمضي، أي أنه لم يغفلْ هذه الجوانب مطلقاً رغمَ انشغالاتِه العسكريّة، حيثَ أن لسانَه الرّطبِ بذكرِ الله والألفاظ الطّيبة؛ استطاعَ أن يجذِبَ الجميع لبيئةِ الالتزام والهداية.
قائدٌ يعمل مع جنودِه
خرجَ مهدي من سجونِ الاحتلالِ في عام 1993م، وما إن تحرّرَ حتى انخرطَ في عملِه الجهاديّ بعدَ عدّةِ أشهر فقط من خروجِه من السّجن، بعدَ أن تلقّى في تلك الفترةِ الدّورات العسكريّةِ والأمنيّةِ اللّازمة، ثمّ نزِل إلى ميدان الجهادِ على شغفٍ وتلهّف، حيثُ انضمّ لمجموعاتِ القسام والذي كان ينحصُرُ عملُها في الرّصدِ والاشتباكاتِ ومتابعةِ شبكاتِ العمالةِ والعملاء والسّاقطين أخلاقيّاً، ومن الجديرِ بالذّكرِ أن عملَه هذا كان استئنافاً لعملِه في الانتفاضةِ الأولى.
فرصدّ العدوّ وخاضَ الاشتباكاتِ المسلّحة، ويذكرُ إخوانُه أنه كان مُستأمناً على مخزنٍ للسّلاح، وذلك في الفترةِ ما بين 1996-1999م، وهيَ فترةُ الحكمِ الذّاتيّ، والتي ضربت فيها حركةُ حماسٍ بأكفٍّ من حديد، إلّا أنها عادت أقوى بحمدِ الله. بخلاصةِ أن شهيدنا البطل بدأَ عمله في بدايةِ الانتفاضةِ الأولى عامَ 1987م، وكانَ قد عضواً في جهازِ الأحداث، على وجهِ الخصوصِ قبل ثلاثةِ أشهر من اعتقالِه، حيثُ برعَ في نشاطِه داخلَ الجهاز المختصّ بالمواجهةِ الميدانيّةِ وقذفِ الحجارة، وتطوّرَ أسلوبِ مقاومتِه وإن بقيَ متواضعاً في العدّةِ والتكلفة والإضرار، فمن الحجارةِ إلى إحراقِ إطاراتِ السيّارات وإلقاءِ الزجاجات الحارِقة، كما أنه تميّزَ بقدرتِه على استخراجِ غاز النيتروجين والطّريقةُ كانت غير منتشرةً بين الشّبابِ آنذاك، ثمّ أميراً لذاتِ الجهازِ في منطقتِه، حتى تمّ اعتقالُه في 1988م، وبعدَ أن خرجَ تعرّفَ على الإخوةِ قياداتِ التصنيع، أمثال الشهيد عوض سلمي وتيتو مسعود ونضال فرحات.
مبدع رغم الأسر
ومن الجدير ذكره أن مهدي وعلى الغرم من صغر سنه مقارنة مع باقي المعتقلين بصحبته، إلا أنه كان مبدعا وفذا وذكيا جدا، وما يدل على ذلك أنه رحمه الله قد ذكر قبيل استشهاده أن أحد الأخوة المعتقلين بصحبته كان يتمنى أن يأكل أحد أنواع الحلويات الشعبية، فما كان من مهدي إلا أن فكر في أمنية أخيه وأخذها على محمل الجد، وخلال أسبوع واحد فقط حقق أمنية ذلك الصديق بأن أحضر له الحلويات التي تمناها.
ومواقفه في داخل المعتقل يتذكرها كل من كان معه وهناك موقف يدل على ذكائه وقدرته على التصرف وقت الحاجة بأقل الوسائل وأندرها، حيث قال أحد الأخوة أنهم وبينما كانوا في سجن النقب الصحراوي كان لا يسمح حسب قرارات المعتقل بالإضاءة إلا في داخل الخيمة ودورات المياه لا يسمح بالإضاءة فيها، فما كان من أبو عبادة إلا أعمل فكره وحرك ذهنه ليتغلب على هذه القرارات، فقام بتجميع شبكة كهربية من الأسلاك الشائكة المحيطة بالمعتقل وفصل بين الخطوط بالقماش المغرى، وجعل لدورات المياه إضاءة خاصة ولوحة تحكم داخلية لديهم غير التي لدى إدارة السجن.
بيعة داخل المعتقل
وفي داخل السجن تربى مهدى وتشرب منهج جماعة الإخوان المسلمين حيث التقى داخل المعتقلات الصهيونية بعدد من قياداتها ومربيها الذين كان من أبرزهم الأستاذ عبد الفتاح دخان الذي كان له دور كبير في تربية شهيدنا رحمه الله.
وأصبحت في عنق مهدي بيعة بالسمع والطاعة لجماعة الإخوان المسلمين وهو في داخل المعتقل وكان عمره آنذاك عشرين عاما فقط.
وبعيد سجنه استمر أبو عبادة على نفس الطريق التي اختارها وبقي ملتزما بنفس الطريق التي التزمت بها جماعة الإخوان المسلمون وارتقى إلى الله شهيدا بإذن الله وكان برتبة (نقيب دعوي).
في سجون السلطة
ولم يقف أمر اعتقاله عند العدو الصهيوني وحده فقد قامت سلطة الحكم الذاتي باعتقاله عدة مرات على خلفيات جهادية وسياسية مختلفة، إلا أنها وكما العدو الصهيوني لم تفلح بالنيل منه وتسجيل أي اعتراف منه، الأمر الذي دعا السلطة على الإفراج عنه لعدم جدوى اعتقاله في ظل عدم إدلائه بأي اعتراف يذكر.
أكمل شطر دينه
بعد خروجه من سجنه عام 1992م تزوج بفتاة من أقربائه متدينة تربت في أحضان أسرة مؤمنة مجاهدة وكانت أولى الكلمات التي تحدث بها أبو عبادة بينه وبين زوجته:" إنني إنسان اخترت طريق الجهاد في سبيل الله تعالى، وهذه طريق طويلة تحتاج إلى صبر وتضحية، فإن رغبت في الزواج بي على هذه الحال فأخبريني وإلا فكل واحد منا في طريقه".
بهذه الكلمات ابتدأ أبو عبادة رحمه الله بناء أسرته وحياته الزوجية التي دامت لاثنتي عشرة عاما أنجب خلالها ثلاثة أبناء وبنت واحد ورحل على الفردوس بإذن الله تاركا زوجته حاملا في شهرها التاسع.
دعوي في كل المجالات
كان رحمه الله تعالى موسوعة غريبة جدا في كل مجالات الدعوة الإسلامية، ففي العقيدة والفقه والسيرة والأمن والسياسة والاجتماع وغيرها من العلوم الكثير في كافة المجالات كان يستطيع أن يعطي ويربي بل وينتج أيضا، فإخوانه في المسجد حفظهم الله وعوضهم خيرا في مصيبتهم يذكرون عنه أنه بالرغم من أشغاله التي لم يعرف أحد منهم ماهيتها، إلا أنه كان كنزا من شتى العلوم، فقد درسهم في العقيدة كما شرح لهم فقه السيرة النبوية، بالإضافة إلى تخصيصه لهم لعدد من المحاضرات في مجال الأمن الشخصي والمجتمعي ووسائل الإسقاط والحذر منها، ولا يمكن تجاهل نظرة شهيدنا في الجانب السياسي فقد كان صاحب نظرة سياسية ثاقبة، حيث أنه كثيرا ما أوصى إخوانه بمتابعة الأخبار واللقاءات السياسية، وخاصة متابعة التحليلات والتقارير الصهيونية.
ذكي جدا
وأبرز ما وصفه به أهل الحي والمسجد أنه كان إنسانا غريبا في ابتسامته، فتراه مبتسما لمن يعرف ولمن لم يعرف، حتى كان مبتسما في وجوه من تحوم حولهم الشبهات المختلفة.
ومما يذكر عنه في هذا الموضوع أنه في ذات يوم رجع على بيته في وقت متأخر وكان يحمل شنطة كبيرة في يده تشبه تلك التي تستخدم في تجهيز الإستشهاديين، وعندما وصل إلى بيته رأى مجموعة من الشباب يسترقون النظر إليه، فعلم أنهم يتابعوه في أمر من الأمور فما كان منه رحمه الله إلا أن ذهب إليهم بشنطته وقال لهم لا تذهبوا بعيدا في التفكير، فالشنطة بداخلها كاميرا وليس كما تعتقدون، وأبهتهم بها عندما فتحها أمامهم، فما كان منهم إلا أن عرفوا أنهم ليسوا بمقدور أبو عبادة ليتابعوه ويرصدوه.
ومما وصفه به أقاربه وأحبابه أنه كان اجتماعيا لدرجة كبيرة رغم مشاغله الدعوية والعسكرية، فما إن تكون هناك مناسبة ما عند أقاربه وأحبابه وجيرانه إلا كنت تجده فيها في الوقت المناسب بل وفي المقدمة وكان إن لم يستطع الذهاب أبدى عذره في اتصال سريع، فكان رحمه الله تعالى إنسانا محبا للجميع ومحبوبا من الجميع وهذا ما أكرمه الله تعالى به في حياته الدنيا.
وكما في الصحافة الصهيونية نظرة داخلية على المجتمع الصهيوني يستطيع القارئ خلالها التعرف على العدو الذي يواجهنا، وكتعقيب على تنظيمه الدعوي فقد كان أبو عبادة في مرتبة نقيب في دعوة الإخوان المسلمين، وكان من المجتهدين ميدانيا في الدعوة، فقد تربى على يديه عدد لا بأس به من الإخوان كان من بينهم الشهيد رامي سعد والعديد من المعتقلين والمجاهدين والدعاة الآخرين حفظهم الله وجعلهم صدقة جارية من خلقه لشهيدنا.
جهادي متميز
شق أبو عبادة طريقه للعمل في المجال العسكري والجهادي في بداية الانتفاضة الأولى عام 1987م، حيث تقلد المنصب تلو الآخر وعمل في جهاز الأحداث عضو ومن ثم أصبح أميرا لجهاز الأحداث في منطقته حتى تم اعتقاله في العام 1988م وحتى خروجه من المعتقل في العام 1992م.
انخرط شهيدنا للعمل في صفوف الجهاز العسكري لحركة حماس كتائب الشهيد عز الدين القسام في عام 1993م وبقي فيه حتى استشهاده في الثاني من شهر أكتوبر من العام 2004م، وخلال عمله في المجال العسكري تعرف أبو عبادة على الكثيرين من المجاهدين في قطاع غزة كأمثال الشهيد المجاهد عوض سلمي، والشهيد المجاهد نضال فرحات، والشهيد المجاهد أكرم نصار، والشهيد المجاهد ياسين نصار، والشهيد المجاهد تيتو مسعود، والشهيد القائد وائل نصار، بالإضافة إلى تعرفه على العديد من المجاهدين حفظهم الله وأيدهم بنصره.
وكان أبو عبادة أيقن وعرف قيمة العمل والإخلاص فيه لله سبحانه وتعالى، فكانت وصيته لكل من كان حوله من المجاهدين أن لا يتحدثوا عما أبدع فيه وطوره وقدمه في ميدان الجهاد والاستشهاد.
إعلامي مفكر ومبدع
لقد وهب الله أبو عبادة عقلا مفكرا ومدبرا لكل شئ من شأنه أن يرفع شأن الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله، ومن هذه الأفكار التي أيدت المقاومة ورفعت من شأنها أنه كان أول من فكر في إنشاء موقع الكتروني يجمع جهاد كتائب الشهيد عز الدين القسام وحركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين، وبدأ أبو عبادة يعمل في هذا المشروع بمساعدة عدد من الأخوة المجاهدين الذين كان من بينهم الشهيد المجاهد رامي سعد رحمه الله.
حيث كانت مهمة الشهيد رامي ترتيب العلاقات مع قيادة كتائب القسام لقربه من القيادة كأحد أعضاء الوحدة القسامية الخاصة( 103)، واستمر العمل لإنشاء هذا الموقع بوتيرة متسارعة حتى أعلن في بداية عام 2000م، وكان أبو عبادة في ذلك الوقت يشغل المدير الفني للموقع منذ تأسيسه وحتى شهر مارس من العام 2004م كما كان أبو عبادة هو المشرف العام لملتقى القساميين باسم( عز الدين القسام).
وخلال فترة إدارة شهيدنا لموقع كتائب الشهيد عز الدين القسام برز الموقع بعدد من التصميمات كما تم تطويره من لغة على لغة حتى وصل إلى الحال التي هو عليها الآن، ومن الجدير ذكره أن موقع كتائب القسام كان تعرض لعديد من الضربات من مجموعات الصهاينة وعدد من الدول الأوربية المختلفة التي حاربت الموقع وحركة حماس بصفة عامة.
كان أبو عبادة يسهر الليالي الطوال وهو يرتب ويعيد بناء الموقع إثر كل ضربة، ومن أكثر الأمور الغريبة التي كان يتمتع بها أبو عبادة أنه لم يكن يحب أن يعرف أي أحد من الأخوة المجاهدين أن له علاقة بالعمل الإعلامي والعسكري، حتى الشهيد القائد العام لكتائب القسام( أبو مصطفى) الشيخ صلاح شحادة الذي دعم إقامة الموقع من كل النواحي، إلا أن أبو عبادة حرص أن لا يعرفه حتى القائد فصبر على العمل كجندي مجهول في هذا الميدان.
وبعد استشهاد الشيخ صلاح شحادة بقيت علاقة أبو عبادة بالعمل علاقة قوية وسار العمل فيها بصورة طبيعية جدا رغم كون أبو عبادة مجهول الهوية للأخوة في القيادة العسكرية لكتائب الشهيد عز الدين القسام.
كرامات لا تمحى
ومن كرامته رحمه الله سبحانه وتعالى في رحمته أنه شعر بحلاوة الشهادة قبل استشهاده بثلاثة أشهر تقريبا، وكان كل يوم من هذه الأشهر يقضيه مع أهله وأبنائه، ويوصي كل أحبابه بالدعاء له بالثبات.
ومن كراماته أيضا أنه استشهد وهو صائم، فقد قال أحد الأخوة المجاهدين وهو آخر من رأى أبو عبادة قبيل استشهاده بخمس دقائق فقط:" رأيت أبو عبادة وفي وجهه نور فقلت له:وجهك منور وكأنك شهيد، وكان بيدي زجاجة عصير فعرضت عليه العصير فقال لي:" شكرا وأخذها وقال:" سأفطر عليها، فقلت له: طيب سلم لي على الرسول( صلى الله عليه وسلم) واشفع لي وتركته وذهبت، وبعد قليل حدث الانفجار فاستشهد أبو عبادة على الفور وفاحت منه رائحة طيبة وكثيرة".
ومن كراماته بالإضافة على تلك الكرامات أنه في النهار الذي استشهد فيه سار مع الشهيد المجاهد خالد العمريطي الذي استشهد معه في حارتهم، فما كان منهما إلا ويسلما على كل من يجداه في الطريق ويصافحاه ويطلبا منه الدعاء لهما، وكأنها رحلة وداع للأحباب والجيران.
ومن كرامته أيضا أنه في آخر درس له في المسجد وكان اجتمع لذلك الدرس قرابة ال150 شاب من المنطقة المحيطة بمسجد شهيدنا( الدار قطني) وتحدث لهم شهيدنا عن الأخوة في الله وحقوقها وثمراتها، فما كان من الأخوة في إمارة المسجد إلا أن طلبوا منه أن يعطي درسا آخر في الجمعة التالية فرد عليهم بقوله:" آخر درس في آخر جمعة"، وكأنه عرف بدنو أجله، وكان أعد ملخصا لهذا الدرس وأوصى بنشره على الناس كعلم ينتفع به، وبعيد استشهاده وعندما دخل العديد إلى غرفته الخاصة وجدوا أبو عبادة قد رتب كل شيء ووضع كل غرض في مكانه، فلم يحتاج أحد إلى عناء ترتيب الغرفة وكأنه شعر وأحس باقتراب الأجل.
قائد متواضع وفذ
ومن المميزات التي انفرد بها أبو عبادة عن غيره من الجند والقادة أن قيادته تميزت بالتعامل بروح الأخوة والتواضع في تعامله مع كل صغير وكل كبير، كما تميز بإدارته المنظمة للعمل، والتخطيط السليم لكل عمل أو مشروع يبدأ في العمل الإسلامي.
كما تميز شهيدنا بتفقده الدائم لأحوال كل من يعرف من الشباب والشيوخ والأشبال ولو بكلمة طيبة، فأحد الأخوة المداومين على حضور دروس أبو عبادة في المسجد يذكر أنه تغيب عن درس أبو عبادة أسبوعين متتالين، فالتقى أبو عبادة به في الطريق فبادره بالسؤال أين أنت اشتقنا لك؟ فكانت هذه الكلمة بمثابة تفقد للأخ الذي تأثر تأثرا شديدا بعيد استشهاد أبو عبادة، وكذلك تميز أبو عبادة بصفة التروي والأناة في كل أعماله التي كان يقوم بها.
عطاؤه الدعوي الإعلامي
لم يكن أبو عبادة يقتصر عمله على الإعلام الجهادي فحسب بل اجتهد لأن يبني صرحا دعويا آخر، فكان من نتاج عقله الواسع هو تأسيسه لموقع نزهة المتقين عبر شبكة الإنترنت وهو موقع إسلامي دعوي يحتوي على العديد من الزوايا التربوية والروحانية.
كما كان لأبي عبادة دور كبير في إنشاء موقع خاص بعائلته( مشتهى) حيث هدف من خلال هذا الموقع إلى بث روح التوحد والوفاق بين عائلته في الداخل والخارج.
موعد مع الآخرة
هكذا قالَ لهم حين طلبوا منه أن يخطبَ بهم في الجمعةِ القادمة: "هذا آخرُ درسٍ وآخرُ جمعةٍ إن شاءَ الله" كأن الله سبحانَه وتعالى قذفَ في قلبِه الإحساسَ بمحتوميّةِ الرحيل، وقبلَ استشهادِه بساعاتٍ قليلةٍ ودّعَ زوجتَه وأولادَه وقال: "لا تحزنوا عليَّ اليومَ، سأستشهد إن شاءَ الله" وطلبَ من إخوانِه الدّعاءَ له بالثّبات وقام بإعادةِ الأماناتِ التي كانت بحوزتِه إلى دوائرَ عملِه.
في يومِ السبت الموافقِ 2/10/2004م، وبالتحديد في وقتٍ قريبٍ من آذان المغرب، وبينما هو يستقلّ وأخوه خالد العمريطي سيّارةً ما، إذ قصفتهما طائراتُ الاستطلاعِ الصّهيونيّة بصاروخٍ قسم السّيّارةَ قسمين أدّى لاستِشهادِهما.
(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون)
بيان عسكري صادر عن كتائب الشهيد عز الدين القسام
استشهاد اثنين من القادة الميدانيين في حي الشجاعية
يا جماهير شعبنا الفلسطيني المجاهد... يا جماهير أمتنا العربية والإسلامية..
على درب الجهاد والمقاومة يرتقي الشهداء وفي طريق ذات الشوكة يتسابق المجاهدون في سبيل الله تعالى. لا تزال كتائب القسام تقدم الشهيد تلو الشهيد والقائد تلو القائد فمنهم من يصطفيه الله تعالى شهيداً ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
تزف كتائب الشهيد عز الدين القسام إلى الحور العين اثنين من قادتها الميدانيين في غزة:
القائد الميداني / مهدي جمال مشتهى
(أبو عبادة) 34 عاماً من حي الشجاعية
القائد الميداني / خالد رمضان العمريطي
(أبو صهيب) 28 عاماً من حي التفاح
والذَين استشهدا في غارة صهيونية شنيعة شنتها مروحيات العدو الصهيوني على السيارة التي كانا يستقلانها في شارع صلاح الدين بغزة مساء اليوم.
إننا في كتائب الشهيد عز الدين القسام إذ نزف إلى الحور العين شهداءنا الميامين الأبطال لنعاهد الله تعالى ونعاهد جماهير شعبنا الفلسطيني المجاهد أن نبقى الأوفياء لدماء شهدائنا الأبطال وأن نبقى على طريق ذات الشوكة لا نقيل ولا نستقيل حتى نلقى الله تعالى وهو راضٍ عنا أو يأذن لنا بالنصر والتمكين.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد
كتائب الشهيد عز الدين القسام
الاثنين 18 شعبان 1425هـ
الموافق 2/10/2004م
الساعة 19:15