الشهيد القسامي / يوسف عمر محمد لبد
لا تمنعوني من شيءٍ أحبه!
القسام - خاص :
هم رجالٌ تسبق أفعالُهم أقوالَهم، وتخبرُك أيامُهم بعظيمِ جهادِهم، تركوا الدنيا وراء ظهورِهم، وما التفتوا إلى زينتها ومتاعِها الزائل، عاشوا حياتَهم بين دعوةٍ وجهاد، وتضحية وفداء، فهم عملةٌ نادرة ومعدنٌ فريد تعشقهم الأرض وما فيها وتشتاق لهم السماء ومن فيها.
أبشري يا فلسطين بفارسك الجديد
كانت فلسطين وفي الخامس من شهر يوليو لعام 1985م، على موعد مع ميلاد أحد فرسان البطولة والفداء، إنه البطل الهمام يوسف عمر محمد لبد.
عاش يوسف طفولته متشوقاً لمعرفة كل شيء فكان كثير الحركة دائم السؤال وخاصة فيما يتعلق بمدينته الأصلية المجدل التي هُجّر منها أهله عام 1948م، مولعاً بمعرفة كل شيء عنها ليرسم صورتها في ذهنه ويشتاق لها قلبه ويحلم بالعودة إليها وطرد الغزاة منها.
ربطت يوسف مع أهله علاقة محبة واحترام وبر إلى أبعد الحدود، فيستجيب لأوامرهما خافضاً لهما جناح الذل من الرحمة، لا يرفض لهما طلباً ولا يعصي لهما أمراً، حريصاً على رضاهما على الدوام فهو الذي نشأ على الدين والخلق وعلم جيداً أنَّ الجنة تحت أقدامهما.
أما مع إخوانه فكان لهم نعم الأخ المحب الحنون، ورغم انشغالاته الكثيرة إلا أنَّه قام بتلبية طلباتهم بكل ود ومحبة، وكذلك كانت علاقته مبنية على الاحترام والود مع جيرانه وأصدقائه، واستطاع يوسف بأخلاقه العالية وكرمه غير المحدود أن يحوز على حب الجميع وأن يحظى بثقتهم واحترامهم، فكان الملجأ لإخوانه إذا ما ضقت بهم الدنيا ليجدوا عنده العطاء والكرم والقلب الحنون فلم يذكر إخوانه أنه تخلف يوماً عن تلبية احتياجات إخوانه مهما كلفه الثمن.
على خطى السلف الصالح
نَشَأَ شهيدنا يوسف وترعرع في أحضان المساجد منذ نعومة أظفاره، وداوم على الصلاة منذ طفولته في مسجد الشهيد عز الدين القسام ومسجد التقوى بمشروع بيت لاهيا معتاداً أن يقضي وقتاً طويلاً في المسجد بين حلقات تحفيظ القرآن الكريم الذي حفظ جزءاً كبيراً منه في طفولته ودروس الفقه والسنة ناهلاً من مَعين بيوت الله صفات السلف الصالح من التقوى والورع وحسن الأدب والخلق.
عُرف عن يوسف أنَّه يجعل لنفسه سجلاً يدوّن فيها الأوقات التي يصلي فيها في المسجد ويحاسب نفسه ويعاقبها على تقصيرها سيراً على نهج السلف الصالح وامتثالاً لقول الفاروق عمر رضي الله عنه "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم".
ذكاء خارقٌ وهمةٌ عالية
بَدَتْ على يوسف ملامح الذكاء والفطنة منذ طفولته، فكان مميزاً في دراسته، متفوقاً في تحصيله العلمي، مجتهداً حريصاً على نيل المرتبة المتقدمة في كلِّ مرحلةٍ دراسية، لذا فقد لفت بذكائه الخارق واجتهاده أنظار مدرسيه الذين حظي يوسف منهم بالاحترام والتقدير، وبقي كذلك حتى أنهى دراسة الثانوية العامة بتفوق، وتأهل بعدها للالتحاق بكلية الهندسة في الجامعة الإسلامية بغزة التي أصبح فيها شعلة من النشاط والعمل المتواصل وتشهد له أروقة الجامعة الإسلامية ومجلس طلابها بهمته العالية وفنائه في العمل الطلابي الإسلامي وسعيه المستمر لخدمة زملائه الطلاب ونصرة مشروعه الإسلامي في كل ميدان.
أثبت يوسف جدارةً وعزيمةً صادقةً في رحاب العمل الإسلامي، ولفت بنشاطه الأنظار إليه، فرشحه إخوانه ليكون أحد أبناء جماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة وأحد أعضاء حركة المقاومة الإسلامية حماس العاملين، وبالفعل عمل يوسف بجدٍ قل نظيره وكان عند حسن ظن إخوانه به، يتنقل من ميدان إلى ميدان بدون كلل أو ملل ويدفع بنفسه ويخوض الصعاب من أجل خدمة إخوانه ورفعة دعوته ومشروعه.
أما على الصعيد الدعوي والتربوي، استطاع يوسف النقيب في جماعة الإخوان المسلمين أن يدير ويتابع ثلاث أسر دعوية بنجاحٍ باهر وكان نِعم المربي ونعم القدوة لإخوانه وأبناء دعوته، كما عمل يوسف على إدارة أسرة النشاط في مسجد خديجة بنت خويلد، وشهدت تلك الفترة التي عمل فيها يوسف نشاطاً مميزاً من حيث عدد الأنشطة والفعاليات والحملات والأعمال الدعوية، واستطاع المسجد استقطاب العشرات من الرجال والشباب والفتية ودمجهم في العمل الإسلامي، وكل ذلك ثمرة عطاء وبذل من ذلك الشاب الذي لم يعرف جسده الراحة ولم تذق عيناه طعم النوم وجفا سريره وفراشه دون تردد بل كانت تملأ قلبه السعادة وهو يرى نتاج عمله أمام عينيه بفضل الله.
وإلى جانب ذلك كله، قاد يوسف الكتلة الإسلامية في منطقة غرب غزة كما كان له نشاطه المميز في نادي صناع الحياة ووزارة الشباب والرياضة، إضافة إلى عمله في جهاز الأمن العام للحركة وفي كل تلك الميادين قدَّم يوسف نموذجاً فريداً من العمل المستمر والتضحية والفداء.
جنديٌّ في كتائب العز
رغم أنَّ يوسف كان مثالاً بارعاً في العمل الدعوي والاجتماعي إلا أنَّه كان دائم التطلع إلى العمل العسكري أيضاً، وتمنى كثيراً أن ينضمَّ للجهاز العسكري للحركة الإسلامية في فلسطين، فقد عشق الشهداء وقرأ سيرهم وتابع أخبارهم، ولكنه مع ذلك الحب الذي سكن نفسه إلا أنه رفض أن يطلب العمل بنفسه مع شدة رغبته فيه خشية أن يوكله الله إليه، بل تمنى من الله أن يصطفيه ويختاره للعمل الجهادي ويعينه عليه.
وقد صدق يوسف في ذلك فصدقه الله إذ رشحه إخوانه للعمل في صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام عام 2005م، وبدأ عمله في صفوف المجاهدين قائداً لإحدى المجموعات العسكرية ضارباً المثل في الشجاعة والإقدام والثبات، فهو الفارس الذي لم يعرف الخوف لقلبه طريقاً ولم يتردد يوماً في ميدان المواجهة والمرابطة في سبيل الله.
خاض شهيدنا يوسف مجموعة من الدورات العسكرية والتدريبات نمّى خلالها قدراته العسكرية وكان نِعم الجندي المنضبط بواجباته المتقدم على إخوانه ورفاقه، ولشدة ذكائه ورجاحة فكره وعقله أوكلت إليه قيادته العسكرية العمل في وحدة التطوير التابعة لكتائب القسام، واستطاع أن يقوم بواجبه على أكمل وجه.
كما عمل أيضا في تخصص الهندسة وكان نابغاً في التعرف على العبوات الناسفة وأنواعها وأهدافها، ماهراً في نصب الكمائن المتقدمة في الثغور وخطوط المواجهة، حريصاً على مواصلة الرباط في سبيل الله وتقديم الخدمات لإخوانه المرابطين والمجاهدين من ماله وعلى نفقته الخاصة في كثير من الأحيان.
كانت ليوسف مقولة يرددها كثيراً على مسامع أهله وإخوانه إذ كان يقول لهم دائماً "لا تمنعوني من شيء أحبه" ويقصد بذلك الشهادة في سبيل الله، فكان يتوق لنيل الشهادة ويرجو من الله أن يلحقه بقافلة الشهداء.
جندي مطيع وشهيد رابح
رأى يوسف في معركة الفرقان التي دارت رحاها بين عصابات الكفر وثلة الجهاد فرصة سانحة لنيل ما أحب وتمنى، فأعدَّ نفسه وجهز عدته وتوجه لساحة المعركة وميدان المواجهة، وجال خلال أيام المعركة جولات شرف وصال صولات عز، حتى كان اليوم الثامن عشر للمعركة الموافق يوم الثالث عشر من شهر يناير لعام 2009م.
وبينما مجاهدنا المقدام يتقدم خطوط المعركة ويتصدر صفوف المواجهة إذ تقدمت فرقة من القوات الخاصة الصهيونية لاعتلاء منزل كان يكمن لهم فيه الاستشهادي البطل يوسف لبد مع مجموعة من إخوانه القساميين، فالتحمَّ جنود الرحمن بأسلحتهم الخفيفة مع عصابات الإجرام التي تسلحت بأعتى وأقوى سلاح، وكانت المعركة هذه المرة كما انتظرها المجاهدون وجهاً لوجه ومن نقطة صفر، وصبَّ فيها المجاهد يوسف نارَ سلاحه ولظى قنابله على رؤوس أولئك الجبناء حتى أسمعَ صراخَهم وبكاءهم من حوله، وتمكن مع رفاقه أن يتركوا أفراد تلك القوة الخاصة بين قتيلٍ وجريحٍ في أركان ذلك المنزل.
وبينما هو ينسحب من ذلك المكان ويتقدم إلى خط آخر للمواجهة إذ أصابته إحدى الرصاصات الغادرة في ساقه، وأصابته بجراح ظل على أثرها ينزف من دمائه الطاهرة الزكية حتى ارتقت روحه محلقةً في سماء المجد والرفعة، فرحل يوسف بجسده الطاهر وبقيت سيرته وجهاده تشهد على ذلك الرجل الذي صدق فيه قول الحق سبحانه وتعالى "مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".
{من المؤمنينَ رجالٌ صَدَقوا مَا عَاهدوا اللهَ عَليه فمنهُم مَن قَضَى نَحبَه ومنهُم مَن ينتظِر ومَا بَدّلوا تَبديلاً}
بيان عسكري صادر عن:
...::: كتائب الشهيد عز الدين القسام :::...
شهداء القسام في معركة الفرقان .. شامة فخر في غرة الزمان
وتستمر قافلة الشهداء في موكب مهيب بدأت طلائعه منذ أن أذن الله لنبيه بالجهاد، وتواصلت هذه الكوكبة العظيمة من الشهداء الأطهار، وكانت دوماً أرض فلسطين المقدسة الأكثر احتضاناً لأجساد الشهداء فطالما رويت أرضها بدمائهم الزكية وملائكة السماء استقبلت أرواحهم الطاهرة ..
وعلى هذا الدرب الشائك درب الجهاد والمقاومة يمضي أبطال كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذين أعلنوا بيعتهم لله وسلموا في سبيله أرواحهم وأنفسهم من أجل وطنهم السليب وقضيتهم العادلة ومقدساتهم المغتصبة وأرضهم المحتلة ..
وكانت "معركة الفرقان" ووقفنا فيها في وجه حرب الطغيان والإجرام التي شنها الكيان الصهيوني النازي ضد شعبنا الفلسطيني المرابط على أرض غزة الطيبة، وكانت معركة مختلة في توازن القوى المادية لكنها معركة تجلت فيها بشائر النصر وترسّخت فيها معاني الصمود والثبات والجهاد من قبل الثلة المؤمنة القليلة في العدة والعتاد، حتى باتت مفخرة للشعب الفلسطيني بين الأمم وصارت نموذجاً رائعاً من نماذج التضحية والمقاومة تعيد الأمة إلى ذاكرة أمجاد الأوائل وبطولات الماضي..
من هنا فإننا في كتائب الشهيد عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، ومن أرض فلسطين المباركة نزف إلى شعبنا المجاهد الصامد وإلى أمتنا العربية والإسلامية وإلى كل أحرار العالم شهداءنا الأبرار الأطهار الذين ارتقوا إلى العلا شهداء - بإذن الله تعالى- في "معركة الفرقان" التي بدأت بتاريخ 27-12-2008م وانتهت بتاريخ 18-01-2009م على أرض غزة الحبيبة.
سائلين الله تعالى أن يجعل دماءهم نوراً للأحرار وناراً على المعتدين الفجار، وعهداً أن لا تضيع هذه الدماء الزكية هدراً وأن نبقى الأوفياء لدرب الشهداء حتى نحرر أرضنا من دنس الصهاينة الغاصبين.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد ،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام – فلسطين
معركــة الفرقــان