الشهيد القسامي القائد / سلامة حسين سليم البحابصة
قضى حياته في خدمة دينه ووطنه
القسام - خاص :
لا تنبت الشجرة المعطاءة إلا في أصل ثابت وفي تربة خصبة، ولا بد أن تسقى بماءٍ عذبٍ منذ أن تكون بذرة، كي تنبت نباتاً حسنا ً وتورق وتثمر وتصبح فروعها في السماء، تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها، فالرجال والقادة لا يكونون أناساً عاديين في التنشئة والحياة والطموح والأهداف، فلو كان التميز بلا مشقة وعناء لساد الناس كلهم ...
يا حُسن منبته
وكالبدر في حلكة الليل البليد الأليل ِ، ولد القائد المجاهد أبو سالم في مدينة رفح بتاريخ الثامن والعشرين من شهر فبراير عام 1969م شقيقاً لتوأم ولد ميتاً بقدر من الله ليودع سلامة أخيه ويذوق طعم الفراق مذ كان في بطن أمه، فكانت له محبة مميزة عند والديه وأهل بيته عن باقي إخوانه.. وكان منذ صغره يحب المزاح والضحك، كريماً سخياً يحب البذل والعطاء ، وكانت علاقته مع والديه واخوانه يغمرها الود والمحبة وكان ملازماً لأبيه في صغره في خروجه للمناسبات والرحلات ، ولقد كان مع أخوته كعصبة الرماح المجتمعة تأبى أن تكسر ويعتريها ضعف الفرقة والتشتت فلقد كانوا متعاونين متحابين ، تسودهم الرحمة والألفة والوصال ، فهذا سمت العائلة الكريمة الطيبة التي تتربى على الفضيلة والاستقامة والصلاح ، وكذلك أقربائه وجيرانه كان أبو سالم لا يتأخر عن تقديم يد العون والمساعدة لذوي القربى والمحتاجين وغير ذلك من جيرانه وأقاربه .
قلبه معلق بالمساجد
وكان منذ نعومة أظافره مواظبا على صلواته وخاصة صلاة الفجر وكانت بداية التزامه في مسجد أبو بكر في حي البرازيل برفح ، مسجد الرجال والأبطال خرّج القادة الميامين أمثال أبو جبريل الشمالي وأخرين ممن قضوا نحبهم وآخرين ممن ينتظر ، ولقد كانت تربية والده له ولأخوته سبب في الاستقامة والصلاح فلقد رباهم على طاعة ربهم وحب نبيهم محمد- صلى الله عليه وسلم – وعلى البذل والعطاء والتحية والإباء فكان القرآن منهج حياتهم والسنة دليلهم ورضا الله أسمى أمانيهم ، فكانت المحاريب بيوتهم ومجالس الدين والعلم قوتهم وغذائهم وزادهم في دنياهم وأخراهم.
ترك العلم للعمل
كان في بداية دراسته من المجتهدين المتميزين فلقد درس في مدارس الوكالة في مراحله الابتدائية والإعدادية وكان طالباً مهذباً يوقر معلميه ويحترم زملائه ، وكان يحب العلم وأهله ويكنّ لهم الشكر والعرفان ، ولكنه توقف في المرحلة الثانوية في ظل تسلط ظلم بني صهيون على أبناء شعبه ومقدسات أرضه والتحق بالعمل العسكري في صفوف الكتائب منذ بذرتها الأولى وتسلسل في عمله الجهادي وفقرات حياته التي كان فيها مقبلاً الى الله بكل ما أوتي به من قوة وعزيمة والتي سنسردها لكم لاحقاُ إلى أن ترأس في أواخر حياته طاقم حراسات أمن الجامعة الإسلامية ، وكان مخلصاً وفيا ً متقنا ًفي عمله.
حياته التنظيمية
رغم أنه كان يغلب على أبي سالم الطابع العسكري ، إلا أن مسيرة حياته في حركة المقاومة الإسلامية حماس عظيمة مشرفة فإنك عندما تتحدث عن حياة أبي سالم تتحدث عن تاريخ الحركة والقسام فلقد انتمى منذ صغره فيما كان يسمى بـ "المجمع الإسلامي " في 1984 في مسجد أبو بكر قبل انطلاق الحركة بشكل رسمي وكانت تربطه علاقة قوية بمؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس الشيخ الرباني أحمد ياسين وكذلك مع أسد فلسطين الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وكان كثير من قيادات الرعيل الأول للحماس وكذلك كتائب القسام يزورونه في بيته وتجمعهم علاقة مودة واحترام، وكان في 1987 من أوائل من شارك في فعاليات الانتفاضة الفلسطينية الكبرى ،واعتقل عام 1988 في ما يعرف بالضربة المشهورة لقيادات الحركة وحكم عليه بالسجن عامين فخرج بعدها أواخر 1990 ولم تثني عزيمته ظلمة السجن ولا ظلمة السجان ، وظل أبو سالم محافظاً على نشاطه في حركة حماس والعمل الدعوي والمسجدي، وحصل أبو سالم على درجة رقيب في الدعوة منذ عام 1994 م وكان أحد أعضاء مجلس الرقباء في مسجد عباد الرحمن برفح ، حتى أنه اعتقل عام 1992م لمدة سبعة شهور اعتقالاً إدارياً وكان ممن أبعدوا الى مرج الزهور ولكنه عاد من الحدود اللبنانية مع الذين رجعوا .
فصول حياته في كتائب القسام
بين سجن وتضحية
ما أروع حياتك الجهادية يا أبا سالم، فأي قائد أنت؟؟ وأي صفحة من صفحات التاريخ معبّقة بأنوار تضحية الرجال المؤمنين، عشت دنياك عزاً وفخراً لأبناء شعبك وشوكة في حلق الصهاينة ومن عاونهم وناصرهم، فلقد عاصر أبو سالم كتائب القسام منذ بذرتها الأولى وعاش كافة مراحلها وكان من أوائل الذين شاركوا في العمل الجهادي وتشكيل وتطوير الكتائب، ففي 1991م بدأ تشكيل كتائب القسام فكان من النواة الأولى للكتائب في مدينة رفح برفقة الشهيد محمد برهوم "الشايب" والشهيد إبراهيم عاشور وغيرهم من مؤسسي الكتائب في مدينة رفح. فكان نشيطاً شغوفاً للذود عن حياض الأمة ورفع كلمة لا إله إلا الله وإذلال عدو الله ، ولكنه كباقي المخلصين الأوائل لم يسلموا من ملاحقة جيش الاحتلال ولا حتى من أبناء جلدته أو من أجهزة السلطة فيما بعد فلقد تعرض لأطلاق نار في أحداث فتح 1992 وأصيب بـ 13 رصاصة رغم إنه كان ينزف إلا أنه كان يبتسم ويضحك لأنه واثق أنه على الطريق الحق ولن يضره كيد الكائدين ولا تآمر المتآمرين وأنه لن يمسه ضر ولا شر إلا بشيء قد كتبه الله له ، ولكنه ورغم إصابته اعتقل في 1993 بتهمة " الانتماء لكتائب القسام " وحكم عليه 5 سنوات قضى منهن سنة ونصف وخرج في "انفراجات أوسلو " وفور خروجه رجع للعمل العسكري لم يتأخر عن العمل الجهادي ويخلد إلى الدنيا وكان ضمن نواة تشكيل "الجهاز السري " التابع لكتائب القسام في ذلك الحين ، وتعرض للاعتقال في1995 لدى مخابرات السلطة الفلسطينية لمدة 7 شهور للتحقيق معه بشأن نشاطه الجهادي ولكنه ظل صامداً ولم يعطي في دينه الدنية .
ثم اعتقل في عام 1996 بتهمة الانتماء للجهاز السري وقضى عام كامل فيما يسمى بـ"ضربة الوقائي الشهيرة لقيادات الحركة " وخرج في عام 1997 ولم يمنعه ضغط السلطة والأجهزة الأمنية من مواصلة عمله
ولكنه تعرض للاعتقال مرة أخرى من قبل جهاز الأمن الوقائي في 1999 وقضى سنة كاملة في السجن وخرج وقد بدأت انتفاضة الأقصى عام 2000 فكان من ضمن أول المجموعات التي شكلت في مدينة رفح في وقت عزّ فيه الرجال الذين وفوا وعدهم ووقفوا في وجه الكيان الغاصب وكسروا شوكته.
وكان هذا آخر حلقات الاعتقال الذي صنعت من أبي سالم رجلاً لا يهاب السجان ولا يخاف التضحية والإباء، حاملاً روحه على راحته ملقياً بها في مهاوي الردى، وشعاره وعجلت إليك ربي لترضى فإنه لا بد للرجال أن يحموا شرفهم وشرف منيتهم وإن كان ذلك في منيتهم وإن كان من الموت ودٌ فمن العيب أن تموت جباناً.
القائد الهمام
هم جنودٌ مجهولون ، قضوا حياتهم في خدمة دينهم ووطنهم، باعوا دنياهم رخيصة ونصب أعينهم قول الله تعالى " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " ، ففي الخفاء كانوا يعملون ، وفي ظلمات الليل لم تنم أعينهم فهمهم تحرير أقصاهم ، ومن حمل هم الأقصى في قلبه لا يتلذذ بمال ولا بنون ،، مضى شهيدنا القائد في درب مقاومة الاحتلال من جانب من جانب آخر يخدم أبناء وطنه والمجاهدين وإصلاح ذات البين ، فمن رصد وكمائن على الحدود الشرقية وفي النقاط المتقدمة ، إلى دوام القرب بين الشباب المسلم المجاهد يضحكهم ويعاملهم بلطف وإحسان فقان نعم القدوة الحسنة ،
ففي عام 2003 عمل في تخصص التصنيع كان من أبرز مؤسسيه في المنطقة الجنوبية ثم أصبح مسئولاً في جهاز التصنيع عام 2004 وظل كذلك حتى عام 2008.
ثم بعد ذلك أصبح مسؤول العلاقات العامة لكتائب القسام – لواء رفح حتى تاريخ استشهاده وكان له بصمة في حل مشكلات معقدة والإصلاح في كافة أرجاء القطاع وكان يلجأ اليه أهل المشكلات لحلها وخاصة عاملي الأنفاق التجارية فلقد كانت عنده فطنة في التعامل مع المتخاصمين.
أبرز أعماله الجهادية
- شارك في تحضير المواد الكيماوية للعديد من العمليات منها: عملية المعبر والوهم المتبدد .
- شارك في إعداد المواد المتفجرة لعملية محفوظة وبرج حردون بأطنان من المتفجرات.
- كانت تربطه علاقة جيدة مع الشهيد القائد أبو أيمن العطار.
كان من صفاته التي كان يتحلى بها الحس الأمني والتواضع والصبر فد كان لا يمل من العمل ويواصل الليل بالنهار وكان قلبه يتسع للجميع وكان كيّساً فطناً.
• ومن قصص حياته الجهادية المميزة:
- يخبر أحد الأخوة العاملين في مجال التصنيع ممن رافق أبا سالم في حياته الجهادية واصفاً إخلاصه وتفانيه في العمل أنه في أثناء تحضيره لمواد تصنيع عملية المعبر فقد وعيه من شدة الإرهاق والتعب، فلله درك يا أبا سالم من قائد همام، فما معنى حياة الرجال إذا خلت من التضحية والإباء.
- كما وأنه من طرائف القصص في حياة شهيدنا المجاهد التي يقصها لنا من كان ملازماً له منذ ريعان شبابه أنه كانت لديه القدرة على التمويه على هيئة رجل كبير حتى أنه في الانتفاضة الثانية أوقفوه جنود الاحتلال ولم يستطيعوا كشف ذلك من شدة ذكائه ونباهته.
- وفي باب الإيثار والزهد في الدنيا أيضاً كان لأبو سالم بصمة وأثر واضح فقد أعطاه أخٌ له ألف دينار لكي يتزوج بها فلقد كان يرفض الزواج قائلاً " أنا بعت والله اشترى " حيث أنه كان يعد نفسه للشهادة ولا يأبه بالدنيا ونعيمها الزائف، فلما تعطلت سيارة لكتائب القسام آنذاك أعطاهم 500 دولار لكي يصلحوها وكان ذلك المبلغ هو الوحيد الذي معه لكي يتزوج ولكنه كان يعلم أن التضحية بالمال لا تقل أجراً عن التضحية بالنفس، وبعد ذلك عوضه الله خيرا ً وتزوج على عمر الثلاثين واستشهد وعنده ابنٌ واحد (سالم).
على موعد
وفي آخر أيام حياته رفض الخروج من بيته في حرب العصف المأكول رغم إصرار أبو أيمن العطار وأصدقائه المقربين عليه وكان يقول " أنا انتظر الشهادة منذ 25 عاماً فيا مرحبا ً بلقاء الله وتم استهدافه هو وأربعة من أخوته وابن أخيه في بيته بصواريخ طائرات الكيان الغاشم بتاريخ 2/8/2014 واستشهدوا وهم صيام أيام الستة من شوال.
وانتقل أبو سالم الى الحياة الباقية بإذن الله.. ليسطر من أروع قصص الجهاد والعزة والإباء، ويشذو نشيد النصر على النفس أولاً، ثم على الكيان الغاشم ومن عاونهم، وستظل أرواح الشهداء كابوس يلاحق كل خائن ٍ لوطنه وكل من باع وفرط في شبرٍ واحد من ثرى أرضه المقدسة.