الاستشهادي القسامي/ أشرف صبحي محمد بلال السيد
لم يطفأ نار قلبه إلا بعد إشعال جسده بالصهاينة
القسام - خاص :
كان الاستشهادي أشرف السيد كعادته في عمله في محل بيع العصائر الطبيعية في وسط مدينة نابلس عندما جاءه أحد الأخوة مسرعاً وهو يلهث ليكشف له تفاصيل الانفجار الذي هز مدينة نابلس قبل مدة قليلة: "لقد اغتيل القائدين جمال منصور وجمال سليم" كان وقع الخبر على أشرف لا يقل عن وقع القذيفة التي أطلقها الصهاينة من طائرة أباتشي على مكتب الشهيدين في وسط مدينة نابلس والتي أدت إلى استشهادهما وستة آخرين هم: محمد بيشاوي وعثمان قطناني وعمر وسليم وفهيم دوابشة والطفلين هلال وبلال خضير، كان منظر أشلاء الشهداء مروعاً جداً وكانت الحشود التي تخرج الشهداء لا تخرج إلا قطعاً من لحم الشهداء، أما أشرف وعلى وقع تلك الجريمة الصهيونية فلم يتمالك دموعه التي انسابت بحرارة على خده الأسمر.
يقول والده السيد صبحي السيد أن أشرف غاب عن المنزل في ذلك اليوم ولم يعد إلا باليوم التالي، وعندما عاد لم أسأله عن سبب غيابه بعدما رأيت شدة تأثره على حادث الاغتيال، وليكشف عما يجول في صدره لبعض إخوانه: "بأن الدنيا لم تعد تستحق المكوث عليها".
ميلاده ونشأته
بتاريخ 5-9-1979م كان اليوم الذي أطل فيه أشرف صبحي محمد السيد على هذه الدنيا وبين أربعة من الذكور وثلاث من الإناث هو ثالثهم جميعاً، تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة العامرية وفي مدرسة ظافر المصري تلقى تعليمه الإعدادية وكان من نشطاء الحركة الطلابية الإسلامية مدرسته لينتقل في المرحلة الثانوية إلى مدرسة قدري طوقان في الفرع العلمي، إلا انه وبعد أن أنهي تعليمه الثانوي لم يستطع إكمال دراسته الجامعية لظروفه الخاصة وانخرط بالعمل مع والده في محل بيع العصائر الطبيعية وحصل على إجازة التجويد وقد اعتمد من قبل وزارة الأوقاف على تحفيظ القرآن في مسجده معزوز المصري، اعتقله الاحتلال في الانتفاضة الأولى مرتين.
كان ولعه بالجهاد كبيراً فعند قدوم السلطة حضر دورتين للدفاع المدني ودورة للتدريب الشعبي على السلاح، كما تعلق كثيراً بالكتب التي تتحدث عن سير الشهداء الكبار من أمثال عز الدين القسام وعبد القادر الحسيني وسير الشهداء من الصحابة، وقبل استشهاده بعامين في 1/6/1999م، ذهب إلى الديار الحجازية ليؤدي مناسك العمرة، وقد جهز نفسه في نفس العام الذي استشهد فيه للذهاب مع قوافل الحجاج إلا أن الله أكرمه بالذهاب مع قوافل الشهداء.
شاب قلبه معلق بالمساجد
بدأ أشرف تعلقه بالمسجد صغيراً وعرفت خطاه طريق المسجد عندما كان في العاشرة من عمره وكان ذلك بمسجد معزوز المصري الذي خرج منه الكثير من الشهداء، كانت شخصية أشرف المرحة مقبولة جداً بين أصدقائه وكان محباً جداً للرياضة حيث أسس فريق لكرة القدم في مسجده وأشرف عليه ودربه، وقبل استشهاده أعد ستين درعاً خشبياً من أجل الكتابة عليها بخطه الجميل وتقديمها كهدايا لأعضاء الفريق الرياضي، إلا أنه غادر قبل أن يكملها.
ولحبه الكبير لإخوانه في المسجد فقد كان سخي اليد مع المعوزين منهم وخاصة طلبة العلم، ولم يكن يدع أية مناسبة فيها بذل أو عطاء إلا كان من السباقين إليها حتى أنه كان يعتبر زيارة الجرحى حتى من لا يعرفهم واجب عليه وكان شراب الكوكتيل رفيقه لكل الجرحى والمزورين، كان القرآن رفيقه في كل مكان وغالباً ما تراه في أوقات قله الحركة التجارية على محله يتلو آيات من القرآن الكريم، ولإيمانه الكبير بدور الوالدين في دخوله الجنة وتقديراً لجهدهم الكبير الذي قاما به من تربيته التربية الصالحة قام أشرف بإهداء والديه درعين أعدَّهما بنفسه في رمضان من عام 2000م كتب فيهما تحت عنوان "شكر وتقدير": "لكما مني جزيل الشكر وعظيم الامتنان لكل ما قدمتموه لي من جهد وعطاء" وأحاط الدرع بقوله تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا".
صديق الشهداء
الاستشهادي عماد الزبيدي، الاستشهادي حامد أبو حجلة، الاستشهادي ماهر حبيشة، الاستشهادي جمال الناصر، الشهيدين الأخوين فراس وهمام عبد الحق، بين هذه الباقة من الاستشهاديين والشهداء تربى الاستشهادي أشرف السيد وكان كل واحد منهم يربطه بالآخر علاقة وطيدة يملأها الحب في الله، كان الرباط القوي بينهم جميعاً أنهم تربو في مسجد معزوز المصري، فكان عماد الزبيدي وحامد أبوحجلة زملائه أيضاً في المدرسة ومن نشطاء الحركة الطلابية الإسلامية أما فراس وهمام عبد الحق فكانا عند أية مسيرة تدعوا لها حماس والقوى الوطنية يذهبان مباشرة إلى أشرف ليسهموا جميعاً في القيام بإنجاح تلك الفعالية بالمشاركة فيها كمنظمين أو حملة للرايات، أما الاستشهادي جمال الناصر الذي كان يعمل على سيارة تاكسي فقد كان أشرف أحد زبائنه الدائمين وكانوا جميع الشهداء سالفي الذكر من زوار أشرف الدائمين في محله لبيع العصائر.
تعلق أشرف الكبير بالشهداء وسيرهم جعله من المحافظين على جمع صورهم ليضعها على واجهة محله، وفي غرفته ليبقى على تواصل دائم معهم ولو بشكل معنوي، حتى يأذن الله له بأن يرتقي شهيدا.
العملية الاستشهادية
غادر أشرف المنزل كعادته في الصباح إلا أنه هذه المرة لم يتوجه إلى المحل التجاري بل ترك ورقة في المنزل كتب فيها أنه لن يتوجه إلى المحل وسيتأخر في العودة للمنزل طالباً من أخيه أن يحل محله في العمل، أما أشرف فكان وقتها يقود سيارة بيضاء قرب حاجز "الحمرا"، والذي يسميه الصهاينة "بقعوت" وكان على أشرف الذي يترقب دوره في المرور من الحاجز أن يصطف خلف الطابور الطويل من السيارات، وقد استغل أشرف تلك الفترة في قراءة ما تيسر من القرآن وشاهده الكثير من أصحاب السيارات وهو يصلي ركعتين قبل الشهادة.
وعند الساعة العاشرة صباحاً جاء دور أشرف للمرور، فهيئ نفسه وانطلق نحو الحاجز وما إن تقدم جنديان صهيونيان من سيارته للتفتيش عاجلهما بتفجير نفسه بهما ما أدى إلى استشهاده ومقتل الصهيونيين وجرح ثالث وصفت جراحه بالخطيرة، أما والده الذي لم يسمع حينها شيئا عن العملية أحس بأن شيئاً جرى لأشرف فذهب إلى منزل صديقه -الاستشهادي فيما بعد- ماهر حبيشة منفذ عملية حيفا البطولية، وسأله عن مكان أشرف إلا أنه لم يكن يملك جواباً، وبعد لحظات سمع من الأخبار أن عملية استشهادية جرت عند حاجز الحمرا الفاصل بين مدينتي نابلس وأريحا،.
ورغم أن الكتائب لم تعلن بعد اسم منفذها إلا أن الأب وبشعور خاص شعر أن أشرف هو منفذ العملية فعاد إلى المنزل وأخبر أهل البيت بذلك وبدأ يعد العدة لاستقبال المهنئين، ليأتي الخبر اليقين بعيد آذان الظهر لتعلن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في نابلس أن منفذ العملية الاستشهادية صباح يوم الأربعاء الموافق 8/8/2001م، في منطقة الغور ضد حاجز عسكري صهيوني هو أشرف السيد (21 عاماً) من سكان حي خلة العامود في المدينة، وأذاع نشطاء من الحركة بمكبرات الصوت وسط مدينة نابلس أن السيد هو منفذ العملية الإستشهادية التي وقعت بتفجير سيارة فلسطينية مفخخة في حاجز صهيوني بين نابلس والأغوار قرب مغتصبة "بقعوت".