الشهيد القسامي / إبراهيم عايد أبو مدين
رجل عشق الجهاد في سبيل الله
القسام ـ خاص :
إن لله في أرضه رجالاً باعوه الأنفس والأرواح , عاشوا ينتظرون لحظة الحقيقة الأكيدة والسعادة الحقة , عاشوا على الأرض وقلوبهم معلقة هناك , عاشوا يربطون على الجرح , ويؤدون الواجب , ويعلنون الولاء لله الواحد القهار , كانوا هنا معنا من الأحياء غير أنهم ذهبوا ليقولوا للجميع أن الحياة هناك حيث المستقر والنعيم المقيم , عاشوا على ثقة بوعد الله أن الغلبة للمؤمنين ولن يكون ذل إلا للذين باعوا ضمائرهم للشياطين وارتضوا حياة الذل مع الخونة القاتلين, وابتعدوا عن الجهاد الذي علموا أنه مأوى المخلصين والطريق الوحيد للعز والتمكين .
عاشوا على أرض البطولة والكرامات يرجون رحمة رب السماوات ورضا رب البريات وشهادة من عند رب الموجودات فكان لهم أن أكرمهم الله فعاينوا لحظات الحقيقة والسعادة بعد أن اهريق الدم الطاهر يروي أرض القداسات فلسطين أرض المكرمات .
الميلاد والنشأة
شهد مخيم المغازي في الأول من شهر يونيو للعام الثاني والثمانين بعد التسعمائة وألف للميلاد , ميلاداً جديداً لأحد الذين شبوا في طاعة الرحمن وساروا في دروب الإيمان الواثقين بوعد الرحمن ,إنه القسامي المجاهد إبراهيم عايد عيادة أبو مدين " أبو جعفر ".
ولد إبراهيم لعائلة متواضعة كريمة أحبت الله ورسوله , وارتضت الإسلام ديناً , أسرة تعيش في المخيم المهجر أهله من أرضهم الغالية وقراهم العزيزة وبيوتهم التي افتقدوا لرائحة الطابون المجاور لها , فالأسرة تعود جذورها إلى قرية بئر السبع المحتلة , التي هجر أهلها وشردوا في المنافي قصراً في العام 1948م والذي اصطلح على تسميته بعام النكبة .
وبدأ إبراهيم يكبر ويكبر معه الوجع على أرضه التي سلبت وسط مؤامرة غربية وتواطؤ وخيانة عربية , بدأ الطفل يكبر وتكبر معه المأساة , ويكبر معه الأمل , تكبر المأساة كلما حدثته الجدة والجد والأب والأم عن تلك الديار المسلوبة وعن هاتيك الأرض المغصوبة , ويزداد الأمل كلما سمع عن مقاومة للعدو هنا وهناك , ويزداد الغضب في صدر الصغير كلما رأى وشاهد الصهاينة وقد لحقوا بالمهجرين في مخيماتهم يتبخترون ويسيرون يظلمون العباد ويبطشون بكل شئ حتى الجماد .
مسيرته التعليمية
كبر إبراهيم وبلغ السادسة فالتحق بمدرسة المغازي الابتدائية التابعة لوكالة الغوث الدولية كباقي أطفال اللاجئين درس فيها وتعلم وخطا خطواته نحو مسيرة العلم فيها , وخلال هذه المرحلة كانت شرارة الانتفاضة قد اشتعلت لهيباً تحت أقدام الصهاينة فقد خرج أشبال المساجد في ثورة الحجارة وانتفاضة المساجد على الظلم فكانت كذلك مرحلة ثورة داخلية لدى الطفل المقبل على الحياة , وبداية تشكيل الشخصية التي تعشق القدس وتحب الأرض وترفض إلا العودة للأرض التي سلبت .
انتقل ابراهيم للمرحلة الإعدادية في تلك السنة التي عاد فيها أبناء جلدتنا من مؤتمر أوسلو وخيانة التفريط فيه فدرس المرحلة وتجاوزها منتقلاً بوعيه إلى مدرسة خالد بن الوليد الثانوية بالنصيرات ليتخطى مراحلها الثلات في القسم الأدبي , وينتقل بعدها إلى مدرسة الإمام الشافعي في مدينة غزة ليدرس ويعمل بتخصص تصليح الثلاجات , فكان نعم العامل المتقن لصنعته المخلص في عمله رحمه الله تعالى .
التزم شهيدنا طريق الهداية والمساجد وتلمس عبر دروب الظلام هدى الرحمن منذ كان طفلاً حيث التزم بمسجد أبي بكر الصديق القريب من بيت العائلة.
وترعرع في أحضان المحاريب ودروس العلم وحلقات القرآن ورياض الأحاديث الصحاح فحق له أن يكون من أهل الله ليرتقي بعدها شهيداً باصطفاء رباني .
أخلاق الرجال وأصالة الفرسان
كيف لمن عاش في أحضان المساجد ورياض المحراب أن يكون سمته وأن تكون صفاته !, وكيف لمن ترعرع على مرارة الوجع وسقي كما سقي شعبه مرارة الحرمان أن يشب ويصعد ! , وكيف لمن عرف الطريق والسيرة والمنهج أن يسير!
لابد ان يكون ممن يصنعون التاريخ , وهكذا كان فارسنا المجاهد وهكذا هي أخلاقه وسماته .
عرف الجميع عن شهيدنا عشرته الحسنة واجتماعياته المتميزة , فقد كان محبوباً لكل الناس ومن هم حوله خصوصاً بين أبناء جيله وأقرانه الذين عرفوه عن قرب , الذين رأوا فيه عطف الأب الحنون ورحمة الأخ الرؤوم وحب الصديق لأعز صديق , نعم فقد أحب الجميع حباً صادقاً فأحبه الجميع حباً منقطع النظير .
هذا الأمر إضافة لحسن خلقه واعتدال سلوكه وطيب منطقه , جعل منه داعية بسلوكه أجل وأنجح داعية وبعمله وفعله لا أقواله أعظم من يؤثر في أبناء جيله وأقرانه . نعم فلقد ملك شهيدنا بما حباه الله وأكرمه من صفات وأخلاق حميدة القدرة على أن يكون متميزاً في حقل الدعوة إلى الله عز وجل .
قلب معلق بالمساجد
إلى جانب ذلك فقد تميز شهيدنا الفذ بالتزامه الحديدي بالصلوات الخمس جماعة في المسجد ويشهد له بذلك مسجد أبي بكر الصديق , الذي ما ترك فيه شهيدنا صلاة الجماعة ولا صلاة الفجر على وجه الخصوص مذ بدأ رحلة الهداية والالتزام .
كما عرف عن شهيدنا حبه لوالديه وخاصة الحاجة أمه التي أحبها حباً جماً لدرجة أن لايمكنه أن يرفض لها طلباً بالمرة ولو كان هذا الطلب من قبيل المستحيل فإنه يلبيه على الفور دون كلل أو ملل أو تذمر فقد عرف عنه بره بوالدته وحبه لها وحرصه على ارضائها بكل الوسائل والأساليب .
اشتهر شهيدنا بزهده في الحياة الدنيا الفانية ورضاه بما وعد الله في الجنان يوم القيامة فقد رفض عروض أمه المتكررة والملحة عليه بالزواج وبناء أسرة إلا أنه كان يعاجلها في كل مرة برفض قاطع وجميل بقوله أنه يريد أن ينزوج من اثنتين وسبعين مشيراً بذلك لأجر الشهيد حيث يزوجه ربه من اثنتين وسبعين من الحور العين .
مجاهد صنديد
التزم شهيدنا كما قلنا آنفاً بالأخلاق الإسلامية والعبادات المكتوبة والسنن الواردة عن الحبيب المصطفى , هذا الالتزام أهل فارسنا الهمام وأسدنا المقدام ليكون أحد أبناء حركة المقاومة الإسلامية حماس المجاهدين وأبناء جماعة الإخوان المسلمين العاملين لرفعة راية الحق والعدل والدين , فقد بايع شهيدنا هذه الجماعة على السمع والطاعة في المنشط والمكره , والتضحية والجهاد في سبيل الله عز وجل.
وقد كان من الأوفياء العاملين فقد كان نعم الجندي في كل ميدان من ميادين الشرف والعمل الإسلامي الدؤوب والمتواصل رفعاً لراية التوحيد , فقد عمل شهيدنا في اللجان الإجتماعية الخاصة بالمسجد , كما نشط في العمل الإعلامي للحركة عبر جهاز العمل الجماهيري , فعمل لبيان مواقف الحركة للناس في منطقته عبر المشاركة في كافة الفعاليات الجماهيرية والدعوية .
ولأن أبا جعفر تميز بحسن الخلق والهدوء وقلة الكلام إلا فيما يفيد , ولأنه كان مثالاً للأخلاق الحسنة ومثالاً صادقاً للحب في الله , ولنشاطه الدائم وعمله الدؤوب اختاره إخوانه في كتائب الشهيد عز الدين القسام ليكون أحد فرسان الجهاد والمقاومة والتحدي والصمود , وبالفعل سرعان ما ركب شهيدنا سفينة المقاومة والجهاد القسامية الماخرة في عباب الأشلاء والدماء وفي بحر المقاومة والمواجهة اللجي , أبحر عبر قوافل رابحة وعزائم قوية لا ينتظر إلا إحدى الحسنيين , النصر أو الشهادة , فسار واثقاً بنصر الله يحمل روحه وسلاحه ويسير معتدل الخطا كمسير أهل الحب في الميعاد بل أشد .
امتاز الجندي الجديد في كتائب القسام أبو جعفر بخفة وزنه وقصر طوله , لذلك فقد تميز بقدرات عسكرية مميزة وفنون قتالية قل نظيرها , ولمن أراد التأكد فليسأل من أشرف على تدريبه ليجيبه بأن هذا النجيب كان من المتميزين خلال الدورات التدريبية العسكرية وكان نعم المتقن للفنون القتالية التي يتعلمها , وقد تميز شهيدنا على وجه الخصوص في مهارة القنص والتي كان فيها من المتميزين .
تمنى شهيدنا الفارس الشهادة بصدق وتقدم ممتشقاً سلاحه مصطحباً نية الشهادة في سبيل الله في العديد من المهمات الجهادية والتي كان من أهمها وأبرزها :
- المشاركة في الكمائن المتقدمة المسئولة عن تنفيذ عمليات صيد الأفاعي البطولية والتي يستهدف من خلالها المجاهدون الوحدات الصهيونية الخاصة التي تحاول التوغل في الأراضي الفلسطينية .
- شارك فارسنا أبو جعفر في عمليات إمطار المغتصبات الصهيونية المحاذية للخط الشرقي الزائل بقذائف الهاون , وقد كان آخر مرة استهدف فيها مواقع عسكرية بقذائف الهاون قبل استشهاده بأسبوع حيث أمطر وإخوانه في وحدة المدفعية القسامية بوابة السرحي بعشرات قذائف الهاون .
- كما شارك شهيدنا رحمه الله في العديد من المهمات الخاصة مع إخوانه في الوحدة القسامية الخاصة .
موعد مع الله
في ليلة 20/12/2007م اليوم الثاني من أيام عيد الأضحى المبارك , وبعد منتصف الليل اتصل الاخوة بالشهيد أبي جعفر يخبروه أن قوات صهيونية خاصة قد توغلت شرق مخيم المغازي فما كان منه إلا أن امتشق سلاحه وخرج مسرعاً صوب مكان المعركة حيث تتوغل القوات الصهيونية الخاصة .
وقد قام فارسنا الهمام في تلك الليلة بالعديد من المهمات وزرع العبوات حتى أشرق الصباح وظهرت الآليات جلية أمام المجاهدين , فطلب من أميره أن يتقدم صوب الآليات ليضربها بقذائف المضادة للدروع إلا أن طلبه هذا قوبل بالرفض التام إلا أنه وبعد إلحاح وإصرار تقدم الفارس مع مجموعة من إخوانه الذين انسحبوا بعد وصولهم إلى نقطة متقدمة إلا أن شهيدنا استمر بالتقدم حتى اشتبك مع قوة صهيونية راجلة كان قد اقترب منها ليلقى الله شهيداً بعدما فرغ في القوة جل دخيرته , ليبقى بعدها ساعات طويلة تحت الأمطار التي غسلته , إلا أن انسحبت القوات الصهيونية مدحورة من المكان تتعجب من شجاعة رجالات القسام وصنائعهم الرهيبة .
رحم الله شهيدنا الفارس أبا جعفر وأسكنه ربنا فسيح الجنان .
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً }
بيان عسكري صادر عن
..:: كتائب الشهيد عز الدين القسـام::..
ثاني أيام عيد الأضحى المبارك .. كتائب القسام تزف ثلاثة من شهدائها الذين ارتقوا أثناء تصديهم للعدوان الصهيوني الغاشم شرق مخيم المغازي
على درب الأحرار من القادة العظماء والشهداء الأوفياء يمضي رجال القسام الأبرار في درب المقاومة الشائك المعبّد بالدماء والأشلاء، والمزيّن بعبق الشهادة والتضحية في سبيل الله ثم الوطن، ورغم الحصار والحرب المفتوحة التي تستهدف مقاومتنا وكتائبنا المظفّرة، ورغم الهرولة إلى اللقاءات الدولية التي تستهدف تصفية قضيتنا، إلا أن كتائب القسام لا تزال في الميدان تنحت الصخر وتخوض المعركة غير المتكافئة حفاظاً على قداسة هذه الأرض ودفاعاً عن شرف وكرامة الأمة ..
ونحن في كتائب القسام نزف إلى شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية شهيدين من شهدائنا الفرسان:
الشهيد القسامي المجاهد/ وليد حسين كلوب
(28 عاماً) من مخيم المغازي
الشهيد القسامي المجاهد/ إبراهيم عايد أبو مدّين
(24 عاماً) من مخيم المغازي
الشهيد القسامي المجاهد/ محمود محمود المسحال
(27 عاماً) من مخيم الشاطئ
الذين استشهدوا مضحّين بأرواحهم في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك الخميس الموافق 20/12/2007م، أثناء تصديهم واشتباكهم مع القوات الصهيونية الراجلة والآليات المتوغلة شرق مخيم المغازي منذ فجر اليوم، فارتقوا إلى العلا، مجاهدين مرابطين، ليكونوا من طلائع الأمة في الدفاع عن أرض فلسطين الطاهرة وعن شعبها المجاهد، وقد ارتقى مجاهدونا إلى العلا بعد مشوار جهادي مشرّف مع إخوانهم في كتائب الشهيد عز الدين القسام، في خدمة الدين والوطن والقضية، نحسبهم من الشهداء الأبرار ولا نزكي على الله أحداً ..
وستبقى دماء شهدائنا الطاهرة شاهدة لهم على ثباتهم وتضحيتهم رغم الحصار ورغم نزف الدم وعمق الجرح، وستظل هذه الدماء لعنة تطارد الصهاينة وأذنابهم من المفرّطين والمهرولين إلى مؤتمرات الهزيمة والذل..
و نسأل الله تعالى أن يتقبل شهداءنا وأن يسكنهم فسيح جناته وأن يلهم أهلهم الصبر والسلوان، ونعاهدهم وكل الشهداء أن نبقى على طريق ذات الشوكة حتى يأذن الله لنا بإحدى الحسنيين .
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام
الخميس 11 ذي الحجة 1428هـ
الموافق 20/12/2007م