الشهيد القسامي / ياسر كمال شبير
ياسر: التوَّاق إلى العطاء!
القسام - خاص :
لله درك يا أبا مؤمن وأنت تضمد جراح المجاهدين، لله درك وأنت تسارع الخطى إلى بيوتهم تسهر على راحتهم وتقدم لهم ما يحتاجون، لله درك وأنت تحمل حقيبتك في أية ساعة من الليل أو النهار قاصداً إخوانك وملبياً دعوتهم، معاتباً من تأخر منهم في طلبك، لله درك مجاهداً صاحب همة عالية وقلب كبير، لله درك شهيداً تلبس سترة المسعفين مخضبة بدماء الطهر والعطاء.
بحرُ الشاطئ يستقبلُ بحرَ العطاء
في مدينة غزة، وفي مخيم الشاطئ الممتد على طول الساحل، وُلِدَ البطل "أبو مؤمن" عام 1985م، ليكون بحر المخيم في استقبال بحر العطاء والوفاء ياسر كمال موسى شبير، العائدة جذور عائلته إلى قرية حمامة المحتلة عام 1948م.
في ربوع المخيم نَمَا وَحَبَا، ومن بيته القريب من شاطئ البحر تعلم سعة الصدر والجود بلا حدود، ومن طيبة أهل المخيم حوله تشرب دماثة الأخلاق وحسن العشرة واحترام الغير، وأكثر ما كانت طاعته واحترامه لوالديه فكان ياسر مثال الابن البار بوالديه الملبي لطلباتهم، وكان ياسر يخرج من الصباح الباكر يسبق والده إلى دكان لهم في السوق، يخرج البضاعة ويجهزها ويجلس في المحل ساعات طوال ليريح والده من عناء العمل ويساعده في تحصيل لقمة عيش إخوانه.
محاطاً بالمحبين
تلقى شهيدنا المراحل الأولى من دراسته في مدارس المخيم القريبة من بيته، مجتهداً حريصاً على دروسه ودرجاته، وخلال تلك السنوات كان ياسر محاطاً بزملائه ومحبيه، فلا تكاد تجد ياسر إلاَّ وحوله مجموعات المحبين الذين تعلقوا فيه وأحبوه من كل قلوبهم. ثم بعزيمةٍ أكبر ومضاءٍ أكثرَ تقدم للمرحلة الثانوية التي ما إن تخرج منها حتى سارع للتسجيل بكلية المجتمع للعلوم التطبيقية ليدرس "التمريض"، ويجتهد في دراسته ليتخرج بعد ذلك من الكلية ليس فقط بشهادة دنيوية ولكن بقلبٍ كبيرٍ وعزمٍ على خدمة إخوانه ودينه ودعوته في هذا المضمار المهم من مجالات العمل الإنساني.
حقيبةٌ ولفافة انتماءٍ وحب
قليلاً ما يشاهد أهل المخيم ياسر بدون حقيبة التمريض التي صارت رفيقة له في حله وترحاله، يضع فيها ما يلزمه من معدات طبية، وينتقل فيها من منزل مصاب إلى منزل مريض إلى منزل شيخ كبير، فالحبُّ الذي أحاط ياسر حياً جعل من حوله يسارعون في طلبه واثقين بسرعة تلبيته مدركين حبه للبذل والعطاء. فقد كان ياسر الممرض صاحب قلب كبير ونفس توَّاقة لخدمة إخوانه جعلت إخوانه في كتائب الشهيد عز الدين القسام يوكلون إليه مهمة تخصص الإسعافات الأولية في السرية التي كان جندياً فيها.
في رحاب الدعوة الغراء
لم يكنْ ياسر الناشئ والمتفاني في مساعدة الغير، بعيداً عن الالتزام في المسجد الغربي القريب من منزله، فكان من أشد الشباب وأكثرهم حرصاً على حضور جلسات المراحل المتعددة والالتزام بأنشطة المسجد المتنوعة سبَّاقاً إلى كل خير ملبياً لكل نداء. فوقع الاختيار على ياسر ليكون أحد أبناء جماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة، بعد أن أبدى حرصاُ واجتهاداً هائلاً في الالتزام بمتطلبات الدعوة الغراء، ويشهد له مشايخه بذلك وهو الذي لم يتأخر يوماً عن لقاء، مواظباً على حضور الجلسات متلقياً للعلم بكل شَغَفٍ وحب.
من ميدانٍ إلى ميدان
انضمَّ ياسر عام 2004م، إلى إحدى مجموعات كتائب الشهيد عز الدين القسام بعد إلحاح منه على إخوانه في جهاز الإسناد التابع للقسَّام الذي تفانى في العمل فيه، لتبدأ مرحلة جديدة من حياة المجاهد ياسر الذي كان يأبى إلا الرباط في الخطوط المتقدمة ونقاط التماس على حدود غزة الشرقية، وفي الأوقات الحرجة كان ياسر يأبى إلا أن يكون هو أول المتقدمين، جاعلاً نفسه وروحه فداءً لإخوانه، ويذكر من رافقوه في حياته الجهادية أنَّه وفي إحدى الأيام كان ياسر برفقة اثنين من الإخوة المجاهدين في إحدى نقاط الرباط المتقدمة على حدود حي التفاح، ولم يكن بحوزتهم إلا درعين اثنين واقيين من الرصاص، ففدى ياسر أخويه بروحه وتقدم للأمام رافضاً أن يرتدي تلك السترة الواقية، ليسجل موقفاً يبقى مسجلاً ومحفوراً في ذاكرة أخويه للأبد. كما اتخذَّ ياسر إلى جانب عمله في تخصص الإسعافات الأولية من تخصص هندسة المتفجرات في كتائب القسام ساحة له مبدعاً فيها متقناً لها محباً للإبحار في ثناياها.
لم يكن لياسر الذي اعتاد على البذل والفداء أن يتخلف عن الميدان والداعي ينادي أن يا خيل الله اركبي، فما إن قرعت طبول حرب الفرقان نهاية عام2008م، وما أن انطلقت حمم الغدر الصهيونية تمزق أجسادَ الأبرياء وتنشر الجراح هناك وهناك، حتى كان ياسر من السباقين إلى الميدان، مجاهداً مسعفاً يتقدم لا يهاب الموت لينقذ حياة جريح هنا أو مصاب هناك. فأمضى فترة الحرب متنقلاً من مكان قصف إلى مستشفى إلى منزل جريح أو مصاب وهكذا، وفي ساعات راحته لم يذهب للنوم وهو الفارس المجاهد، بل كان يتوجه إلى نقاط الرباط مع مجموعته في كتائب القسام متحيناً فرصة اللقاء والإثخان في الأعداء.
يذكر إخوانه المجاهدون في المجموعة القسامية أنَّه قبل استشهاده بأيام حضر ياسر للرباط معهم وكان يومها متعباً بعد أن قضى أياماً يداوي جراح المصابين في مستشفى الشفاء بغزة، فأراد أن يرتاح قليلاً وطلب من إخوانه أن يوقظوه بعد فترة، وحين أيقظوه ليتناول معهم طعام العشاء إذا به يقول لهم ما ألذَّ وأزكى طعام الجنة، ويبدأ بعدها الحديث مع إخوانه عن الجنة ونعيمها وما أعد الله فيها.
رحيلٌ على ما عاش عليه
قضى ياسر الليلة الأخيرة له في بيته، ساهراً مع إخوانه يتناولون الحديث عن أعمال المقاومة ويتابعون أحداث الحرب، فبشره أخوه بعملية نفذتها المقاومة قتل فيها تسعة من جنود الاحتلال، وإذا بياسر يصرخ ويهلل ويكبر فرحاً بهذه البشارة، وفي صباح تلك الليلة لبَّى ياسر دعوة أبيه بفتح المحل وإخراج البضاعة كعادته، ثم عاد للبيت ليجهز نفسه للعمل كمسعف لمصابي وجرحى حرب الفرقان، فطلبت منه أمه أن يتصل بسيارة الإسعاف يطلب منها القدوم لأخذه لمكان عمله معتقدة أن العدو الصهيوني قد يراعي حرمة استهداف سيارات الإسعاف، لكن الأمر كان على عكس ما توقعت الأم، فهذا العدو الصهيوني المجرم لم يراعِ في عدوانه حرمةً لشيء، ولم يتورع عن ارتكاب أية جريمة تحرمها كل الشرائع والقيم والأديان، وتتنافى مع الأخلاق الآدمية، فخلال تنقل سيارة الإسعاف التي كان يستقلها ياسر، قصفت طائرات الحقد الصهيوني السيارة في تمام الساعة الثالثة من عصر يوم 4-1-2009م ضاربة بعرض الحائط كل القوانين والأعراف، ليرتقي ياسر ويرحل على ما عاش عليه، فقد عاش حياته يفدي إخوانه ويسهر على خدمتهم ويرتقي وهو على ذات الدرب والمنهاج، ويصل خبره إلى مسامع أهل المخيم وتصدح المآذن تزف فارس القسام، فيبكيه الأحبة الذين طالما سهر على راحتهم وما بخل عليهم يوماً بوقته وجهده وراحته، فطاب ذكرك يا ياسر حياً وطاب ذكرك شهيداً محمولاً على أكتاف المحبين.
{من المؤمنينَ رجالٌ صَدَقوا مَا عَاهدوا اللهَ عَليه فمنهُم مَن قَضَى نَحبَه ومنهُم مَن ينتظِر ومَا بَدّلوا تَبديلاً}
بيان عسكري صادر عن:
...::: كتائب الشهيد عز الدين القسام :::...
شهداء القسام في معركة الفرقان .. شامة فخر في غرة الزمان
وتستمر قافلة الشهداء في موكب مهيب بدأت طلائعه منذ أن أذن الله لنبيه بالجهاد، وتواصلت هذه الكوكبة العظيمة من الشهداء الأطهار، وكانت دوماً أرض فلسطين المقدسة الأكثر احتضاناً لأجساد الشهداء فطالما رويت أرضها بدمائهم الزكية وملائكة السماء استقبلت أرواحهم الطاهرة ..
وعلى هذا الدرب الشائك درب الجهاد والمقاومة يمضي أبطال كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذين أعلنوا بيعتهم لله وسلموا في سبيله أرواحهم وأنفسهم من أجل وطنهم السليب وقضيتهم العادلة ومقدساتهم المغتصبة وأرضهم المحتلة ..
وكانت "معركة الفرقان" ووقفنا فيها في وجه حرب الطغيان والإجرام التي شنها الكيان الصهيوني النازي ضد شعبنا الفلسطيني المرابط على أرض غزة الطيبة، وكانت معركة مختلة في توازن القوى المادية لكنها معركة تجلت فيها بشائر النصر وترسّخت فيها معاني الصمود والثبات والجهاد من قبل الثلة المؤمنة القليلة في العدة والعتاد، حتى باتت مفخرة للشعب الفلسطيني بين الأمم وصارت نموذجاً رائعاً من نماذج التضحية والمقاومة تعيد الأمة إلى ذاكرة أمجاد الأوائل وبطولات الماضي..
من هنا فإننا في كتائب الشهيد عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، ومن أرض فلسطين المباركة نزف إلى شعبنا المجاهد الصامد وإلى أمتنا العربية والإسلامية وإلى كل أحرار العالم شهداءنا الأبرار الأطهار الذين ارتقوا إلى العلا شهداء - بإذن الله تعالى- في "معركة الفرقان" التي بدأت بتاريخ 27-12-2008م وانتهت بتاريخ 18-01-2009م على أرض غزة الحبيبة.
سائلين الله تعالى أن يجعل دماءهم نوراً للأحرار وناراً على المعتدين الفجار، وعهداً أن لا تضيع هذه الدماء الزكية هدراً وأن نبقى الأوفياء لدرب الشهداء حتى نحرر أرضنا من دنس الصهاينة الغاصبين.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد ،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام – فلسطين
معركــة الفرقــان