القائد الميداني/ عماد جمال أبو قادوس
منارةُ عطاءٍ، في عتمةِ حُب الدنيا!
القسام - خاص:
على رسلكم أيها الراحلون بلا خبرٍ أو بلاغ، على رسلكم أيها الأطهار فلا زالت الأرض تناديكم ولا زالت ساحات الجهاد تنتظركم، على رسلكم أيها الأبرار فزمنكم زمن المجد، وحياتكم حياة الكرامة، وجهادكم صفحات مشرقة ستبقى محفورة في ذاكرة الأجيال والتاريخ إلى الأبد، فأنتم عناوين البطولة وأساتذة المقاومة وفرسان فلسطين وصناع نصرها ومجدها وعزها بإذن الله.
مولدُ النور
حملَ فجرُ العاشر من نوفمبر عام ألفٍ وتسعمائةٍ وتسعةٍ وسبعين أجمل خبر للسيد جمال أبو قادوس، إنه خبر ميلاد ابنه البكر عماد، وقد دأبَ الوالدان على تربيته تربيةً إيمانيةً ليكون مميزاً بدينه وخلقه في كل مرحلة من مراحل عمره، فكان المتميز في دراسته التي قضى مرحلتها الابتدائية في مدرسة الزهاوي، ومن ثمَّ التحق بمدرسة ابن سينا الإعدادية، وبعدما درس الصف العاشر غادر المدرسة ليلتحق بالمعهد الأزهري ويحصل على شهادة الثانوية العامة منه، ومن ثم اتجه نحو الجامعة الإسلامية ليدرس تخصص الصحافة والإعلام لمدة عام، ثم حوَّل عن تخصصه إلى تخصص الشريعة الإسلامية وقد رأى في دراسته الجديدة الفوز والنجاة في الدنيا والآخرة، وكان عماد شغوفاً بالقراءة حتى أنه أسس مكتبة علمية شرعية خاصة به في بيته وكان يقرأ كتبها في أوقات فراغه، ولا ننسى أن عماد ابن الكتلة الإسلامية وأحد العاملين في أنشطتها في الجامعة الإسلامية، الذي بذل زكاةَ ما تعلمهُ في تعليمِ إخوته في الله وقضاءِ حاجاتهم في إطار الكتلة الإسلامية، وقد عمل في مهنة البلاط لفترة قبل أن يتفرغ للجهاد ضمن كتائب القسام.
قلبٌ يطيرُ إلى المسجدِ
منذ طفولته الحالمةِ عرفَ المسجدَ، فقد كان والده يتعمد أن يصطحبه معه إلى مسجد الرضوان منذ صغره ليصقل فيه كل صفات الخير، ليكون المسجد بيته الثاني، فتعلم عماد الصلاة والتزم بها في مسجد الرضوان الكائن في حي الشيخ رضوان الذي انتقلت إليه العائلة بعد سنوات من ميلاد عماد الذي كان في معسكر الشاطئ.
داوم عماد على حضور دروس العلم والدين، وحفظ القرآن الكريم خلال التحاقه بإحدى حلقات التحفيظ، وبعد أن أضحى عماد شاباً التحق بمسجد أمان الذي يُعد هو والشهيد محمود العابد من أسساه فعلاً، وفي هذه المرحلة أُسْندت إليه مسئولية طلاب الثانوية في المسجد، بما أنَّه يتمتع بشخصية جذابة شبهوها بالمغناطيس الذي يجذب ما حوله إليه.
كطبِّ القلوبِ أنت
لاقى عماد احتراماً وتقديراً من الجميع، فقد كان المبادر دائماً بالعمل حتى في حملات التنظيف، وكان شديد البر بوالديه أكثر حتى من جميع إخوته، لطالما بذل قصارى جهده في إرضائهما، أما إخوته وأخواته فكان أكثر حديثه معهم عن الالتزام والصلاة في وقتها، وكان يوصي بعضهم ببعض، عُرفَ واصلاً لرحمه رغم انشغالاته المتعددة، ولكنَّه كان يرى المتعة كل المتعة وهو يُدخل السرور على قلب غيره، وقد تميز بعلاقةٍ فريدةٍ مع جيرانه ونال حب كل من حوله، فكان الناصح الحريص على مصالحهم، حتى أنه يُذْكرُ عنه وقوفه مع جيرانه إذا ما حدث خلافٌ بين أهله وأحد الجيران.
الطفل الناضج مجاهداً
تقول والدة عماد: "عندما كان في المرحلة الإعدادية كان يمر على معسكر الجيش الصهيوني وهو عائد من المدرسة فيقوم برشقهم بالحجارة، وكان والده يذهب لإحضاره من المدرسة خوفاً عليه لصغر سنه فيجده في موقع متقدم يخشى والده أن يتخطاه ليحضره"، إنه حال عماد منذ طفولته، لم يطق رؤية الاحتلال يعيث فساداً في ديار المسلمين، فيقتل ويذبح ويسفك الدماء ويهجر الأهالي، فأبى إلا أن يصرخ في وجوههم صرخة حق ويجاهدهم بما استطاع، فقد حمل الزجاجات الحارقة والحجارة الملتهبة وقذفها في وجوه أعداء الله بينما كان ابن الرابعة عشرة من عمره، وخلال انتفاضة الأقصى الأولى، وقد أصيب فيها ثلاث مرات كانت كل إصابة تزيده حماسةً وإصراراً على المضي في طريق الجهاد، وبعدما كبر قليلاً عمل في جهاز الأحداث التابع لحركة حماس وكانت مهمته مراسلاً بين المناطق الميتة، ولما أثبت جدارته أسندوا إليه عدداً من المهام الخاصة، كما أنه كان يتمتع بخطٍ جميلٍ فكان يكتب على الجدران الشعارات الحماسية يشاركه أخوه الشهيد محمود العابد.
فدائيٌّ يحبه "الرنتيسي"
مع اندلاعِ انتفاضة الأقصى الثانية وما حملته من أحداث متنوعة كان المجال للعمل الجهادي أوسع بلا شك، خاصة بعد تطور القدرة العسكرية لكتائب القسام، تقولُ أمُّ عماد: في بداية عمله العسكري جاءني عماد ذات يومٍ وطلب مني أن أكتب له رسالة إلى الشيخ صلاح شحادة حتى يكون من الاستشهاديين، في البداية كنت مترددة ولكن بعد ذلك لم أمانع، وكتبت رسالتي إلى الشيخ صلاح، ليكون بذلك أول شاب من حي الشيخ رضوان يكتب رسالة إلى الشيخ صلاح شحادة، وقد وعد الشيخ الشهيد صلاح الرفيقين عماد أبو قادوس ومحمود العابد، أن يكونا على رأس الاستشهاديين، وبعد مرور شهورٍ على طلبهما يأتي الرد فيتجهزا للخروج في عملية استشهادية مشتركة، قضى فيها محمود نحبه بينما عاد عماد ليستكملَ مسيرة الجهاد في صفوف القسام.
وقد كان العمل الجهادي متواصلاً بين الرباط ولذته في أجواء جهادية روحانية يخلو فيها المجاهد مع ربه، ينتظر الأعداء ليثخن فيهم ويوقع الخسائر في صفوفهم، وهو يبتهل إلى الله أن يتقبل منه، وقد كان يعمل في مجموعةٍ قساميةٍ أميرها الشهيد محمود العابد، وقد أهلته كفاءته أن يصبح أحد أفراد الوحدة القسامية الخاصة، وتلقى عدداً من الدورات العسكرية التي تدرجت في صعوبتها من مبتدئة إلى متقدمة صعبة قاسية، وهناك بدأ يدرب جنود القسام وكان أحد المدربين في أكاديمية صلاح شحادة، وقد أصبح أبو إسلام من أبرز قيادات العمل الجهادي في كتائب القسام.
كان "أبو إسلام" شعلةً متقدةً في العمل العسكري إذا ذُكرت العمليات الاستشهادية فهو فارسها وإذا ذكرت التدريبات العسكرية فهو أميرها، وإذا ذُكرت الاجتياحات الصهيونية فهو الرجل الفارس الذي يتفنن في صدها، وهو المتألق في عمليات الرصد واستكشاف تحركات العدو، وإذا ذُكر إطلاقُ الصواريخِ بأنواعها فهو بطلها بلا منازع.
وقد أحبَّ الدكتور عبد العزيز الرنتيسي هذا البطل "عماد" كثيراً، وكانت علاقتهما قوية حتى أنَّ الدكتور كان يقول لأبي عماد: "والله إنني أتمنى أن يكون لي ولدٌ مثل ابنك عماد". ويذكر أهله أنَّ الدكتور شارك في دفع مهر عروس عماد عند زواجه!
مغتصبات العدوّ تعرف "عماد" جيداً
مع التطور النوعي الذي أحرزته كتائب القسام، والتقدم في أساليب المقاومة الباسلة، كان أبو إسلام من أوائل الذين أطلقوا صواريخ القسام في بداياتها، وواكبوا تطورها، ابتداءً (بقسام 1)، وحتى آخر طراز من هذه الصواريخ، وقد كان فعلاً له شرف السبق في تجريبها عملياً على المغتصبات الصهيونية.
يقول أحد المجاهدين الذين رافقوا عماد: كان أبو إسلام دائماً سبَّاقاً للانتقام لدماء الشهداء، فبعد مجزرة آل غالية التي نفذتها قوات الاحتلال على شاطئ قطاع غزة قام الأخوة في كتائب الشهيد عز الدين القسام بتكليف إحدى المجموعات القسامية لدكِّ مدينة المجدل بصواريخ القسام المتطورة، ليكون أبو إسلام على رأس هذه المجموعة.
وثَّابٌ كالأُسد
لم يرضَ أبو إسلام إلا أن يكون في مقدمة الكتائب القسامي إذا ما سمع أن هناك اجتياحاً صهيونياً على حدود غزة، فقد شارك بكلِّ جرأةٍ وشجاعةٍ وروحٍ توَّاقة للجنان ونعيمها في التصدي للاجتياحات الصهيونية لحي الشجاعية وجباليا والزيتون وبيت حانون وبيت لاهيا، وكان يبلي بلاءً حسناً في كل اجتياح، فيفجر عشرات العبوات في دبابات وآليات العدو ويطلق العديد من صواريخ البتار على الآليات المتوغلة، كما أبلى بلاءً حسناً في صدِّ اجتياحِ أيام الغضب لمعسكر جباليا، وفجَّر العديدَ من العبوات الناسفة في الآليات الصهيونية في ذلك الاجتياح مع الشهيد حسن أبو وطفة، كما أنَّه شارك في اجتياح معركة أهل الجنة، الذي فجَّر فيه عدة عبوات ناسفة في آليات العدو، مما أدَّى إلى إصابة عددٍ من الجنود الصهاينة، وكانت نتيجته انسحاب العدو صاغراً ذليلاً أمام ضربات القسام.
في الحسمِ العسكريّ
لأنَّ أبا إسلام كان الشوكة المرّة في حلق أذناب الاحتلال من تيار الخيانة والعمالة، فقد أصبح على رأس القائمة المستهدفة، ولمَّا كان عماد حريصاً على التصدي لهؤلاء الذين يحاولون القضاء على مشروع الجهاد في فلسطين، وقد جاهد بكل ما أوتي من قوةٍ وعزمٍ وإخلاصٍ لتطهير ثرى غزة من المحتلين، وأذنابهم من منافقين وخائنين باعوا أنفسهم للشيطان بأبخس الأثمان.
يقول والد عماد: "قبل الحسم بثلاثة أيام، وقد تغول المنافقون وقتلوا العلماء والشرفاء من أبناء هذا الشعب وقاموا باقتحام المساجد ثم النيل حتى من المصاحف وقتل العلماء داخل المساجد فلم يبقَ هناك حجة لهؤلاء، فقام إخواننا بمحاصرة برج الجوهرة وكان عماد قد صعد إلى الطابق الخامس منه، فيما قام إخواننا بإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، وقد بكى عماد كثيراً لأنه كان باستطاعته أن يمسكهم كما يمسك الخراف، رغمَ أنَّه تألمَّ كثيراً لكنَّه قال: "سمعاً وطاعة"، وانسحبَ مع أخوانه".
التحليقُ الأخيرُ في سماء العطاء
تمكن أبو إسلام خلال مواجهات الحسم العسكريّ، من تخطي مراحلَ خطيرةً جداً ليصل إلى مدخل البرج المحصن مخترقاً كافة تحصينات القتلة من أذناب الاحتلال، فقرر بعدها أبو إسلام أن ينام علَّه يرتاح بعض الوقت لكنه سرعان ما غير رأيه فهناكَ ما هو أكثر تشويقاً من راحة الجسد، ليحدث نفسه: "والله إنَّها جلسة ما بها راحة"، ثم توضأ وصلى العصر ودعا الله سبحانه وتعالى أن يرزقه التوفيق والسداد، وانطلق مع إخوانه ليكمل الطريق وفعلاً فتح الله عليه وعلى إخوانه بأن يتقدموا إلى برج المدعو "ماهر مقداد" وهو من زبانية السلطة الذي أذاق المسلمين الويلات بتصريحاته التي أشعلت نار الفتنة في هذا الشعب ومرافقيه الذين عاثوا فساداً في منطقته.
حان الوقتُ ليتلقى أبو إسلام طلقةَ حقدٍ غادرةٍ أصابت صدره العامر بالإيمان وأوقفت دفق دمائه الحرة بعد أن قام بالتغطية على أحد إخوانه المجاهدين فادياً إياه بروحه الطاهرة، ليرتقي شهيداً كما تمنى، ولكن على أيدي ثلة مجرمةٍ حاقدة من أعوان الاحتلال.
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً }
بيان عسكري صادر عن
..::: كتائب الشهيد عز الدين القسـام :::..
كتائب القسام تزف القائد عماد أبو قادوس الذي استشهد أثناء معركة العزة والكرامة بعد مشوار جهادي زاخر
بعد أن أبت الفئة الباغية العميلة من قوات لحد العاملة في قطاع غزة الرجوع عن غيها وطغيانها وواصلت تغولها على المدنيين الأبرياء، وبعد أن ارتكبت هذه الفئة المارقة أفظع الجرائم بحق بيوت الله والعلماء وأئمة المساجد، ومن يستن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان لا بد لكتائب القسام أن تخرج عن صمتها وأن تدافع عن أهل الإيمان وعن الأبرياء والعزل، وأن تطهر أرض غزة من دنس هؤلاء المنافقين الفسقة أعداء الله عز وجل.
لقد أخذت كتائب القسام على عاتقها أن تقطع دابر هؤلاء مهما كلفها ذلك من تضحيات، وقد استبسل أبناء القسام خلال معركة العزة والكرامة، معركة الدفاع عن الشرعية الفلسطينية التي أراد الانقلابيون تقويضها، مقدمين أرواحهم ثمناً لذلك .. وإننا اليوم نزف إلى العلا قائداً مجاهداً لطالما قارع أعداء الله وأذاقهم المر والعلقم:
الشهيد القسامي القائد/ عماد جمال أبو قادوس "أبو إسلام"
(28 عاماً) من مسجد أمان بحي الشيخ رضوان بغزة
(قائد الوحدة الخاصة والمدفعية بكتيبة الرضوان)
الذي استشهد أثناء مشاركته في تطهير وكر اللحديين في أبراج المقوسي بحي الشيخ رضوان بعد أن رفضوا تسليم أنفسهم، وذلك يوم أمس الثلاثاء 12-06-2007م ، ليلتحق بركب الشهداء الميامين الذين قاوموا الاحتلال وأذنابه، ليعيش الشعب الفلسطيني بعزة وكرامة وأمن واستقرار بعد مشوار جهادي حافل، فشهيدنا أبو إسلام من صفوة المجاهدين الذين شاركوا في العديد من العمليات الجهادية ضد قوات الاحتلال وكذلك دك المغتصبات الصهيونية بصواريخ القسام وقذائف الهاون، وقد شارك في صد العديد من الاجتياحات الصهيونية في مناطق غزة وشمال القطاع، من بينها معركة أيام الغضب ومعركة أهل الجنة ببيت حانون الذي قام خلاله بتفجير ناقلتي جند صهيونيتين.. نحسبه شهيداً ولا نزكي على الله أحداً.
وإن كتائب القسام إذ تزف إلى العلا شهيدها القائد، لتؤكد أنها ماضية في حربها التي لا هوادة فيها ضد أعداء الله والإنسانية من التيار الخياني العميل، حتي تطهر أرض فلسطين من دنسهم بإذن الله، والساعات القادمة ستشهد سحقهم بإذن الله وإراحة شعب فلسطين من شرورهم .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد ،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام
الأربعاء 27 جمادى الأولى 1428هـ
الموافق 13/06/2007م