القسام – خاص:
لم تكن معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2023م بكل تجلياتها معركة عابرةً في صفحات التاريخ، ولم تكن كذلك محطةً فارقةً في تاريخ الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة فحسب؛ بل كانت ملحمةً عظيمةً تركت بصمة عميقة في تاريخ الأمة الإسلامية وفي الوعي الجمعي للحضارة الإنسانية.
طوفان الأقصى، محطة حُفرت في الذاكرة الجهادية لشعبنا الفلسطيني وأمتنا الإسلامية بمدادٍ من نور، سطّر فيها شعبنا العظيم الصابر المحتسب أروع صور التضحية والإباء، وكتب فيها آسادنا المجاهدين الأطهار صفحاتٍ مشرقة من البطولة والفداء، تبعث على الفخر والاعتزاز بجيلٍ قرآنيٍ فريد أبَى الخنوع والخضوع، وتمرَّدَ على الظلم والقهر، وبذَلَ الغالي والنفيس لتحرير الإنسان وتطهير الأوطان من دنس المحتل الصهيوني البغيض.
صفقة تاريخية
إنّ من أهم تجليات معركة طوفان الأقصى التي كسرت جبروت العدو، وأسقطت هيبته تحت أقدام رجال النخبة القسامية، هو تحرير الآلاف من أسرانا البواسل وأسيراتنا الحرائر من سجون الظلم والقهر الصهيونية؛ فلم تكن صفقة طوفان الأقصى لتبادل الأسرى صفقة تبادل عادية، بل ملحمة بطولية غيرت وجه التاريخ الفلسطيني وتركت بصمة فريدة في تاريخ الحركة الفلسطينية الأسيرة.
فمنذ الـ23 من نوفمبر لعام 2023م وحتى الـ13 من أكتوبر لعام 2025م، استطاعت المقاومة الفلسطينية تحرير 3985 أسيرًا وأسيرة خلال ثلاث مراحل، حامِلين معهم رواية الصمود، وأحلام الحرية التي لا تنكسر، وأجسادًا أنهكها القيد لسنوات طويلة، حيث استطاعت كتائب القسام تحرير (87%) من الأسرى المحكومين بالسجن المؤبد مدى الحياة في سجون الاحتلال ضمن صفقة طوفان الأقصى بمراحلها المختلفة.
أسرى المؤبدات
نجحت المقاومة وعلى رأسها كتائب القسام -بفضل الله- في تحرير (503) أسرى من المحكومين بالسجن المؤبد مدى الحياة من أصل (580) أسيراً كانوا يقضون أحكاماً بالسجن المؤبد في سجون الاحتلال قبل صفقات التبادل، العديد منهم أمضوا ما يزيد عن25 عاماً في السجون، إضافةً إلى العشرات ممن يقضون أحكاماً عالية تزيد عن 15 عاماً ودون المؤبد.
فقد شملت المرحلة الأولى من الصفقة إطلاق سراح (41) أسيراً من محرري صفقة وفاء الأحرار التي تمت في أكتوبر من العام 2011م، وأعاد الاحتلال اعتقالهم مرة أخرى عام 2014م، بينهم عدد من الأسرى القدامى الذين أمضوا عشرات السنين خلف القضبان قبل تحررهم في الصفقة، وأعاد لهم الاحتلال الأحكام السابقة وغالبيتهم محكومون بالمؤبد.
وتمكنت صفقة طوفان الأقصى من تحرير (13) أسيراً من قدامى الأسرى من أصل (22) أسيراً من الأسرى المعتقلين منذ ما قبل اتفاق "أوسلو" المشؤوم، وأقلّهم أمضى 30 عاماً بشكل متواصل في سجون الاحتلال، حيث تبقى منهم (9) أسرى، (7) منهم من سكان الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948م، إضافةً إلى الأسير جمعة آدم من رام الله، والأسير محمود أبو خربيش من أريحا، وهما معتقلان منذ عام 1988م.
إن ما يميز صفقة طوفان الأحرار بمراحلها المختلفة، إضافةً إلى الأعداد الكبيرة التي تحررت بموجبها والتي بلغت (3985) أسيراً، أنها شملت أسرى من غزة والضفة والقدس والداخل الفلسطيني المحتل من الأسرى القدامى وأصحاب المحكوميات العالية، ومن كافة الفصائل، إضافةً إلى الإفراج عن (2718) أسيراً من قطاع غزة اعتقلوا خلال حرب الإبادة على القطاع.
مراحل الصفقة
المرحلة الأولى: 23/11/2023م
انطلقت المرحلة الأولى بتحرير 240 أسيرًا، منهم71 امرأة و169 طفلًا، في خطوة أكدت أن الأسرى هم قلب القضية الفلسطينية، وقلوبهم النابضة لا تعرف الاستسلام، كانت البداية مجرد إشارة، لكنها حملت رسالة قوية: الحرية قادمة مهما طال الظلام.
في المقابل، أطلقت الفصائل الفلسطينية سراح 81 أسيرًا صهيونياً، وكان ذلك ضمن صفقة إنسانية استمرت 6 أيام، استأنف العدو الصهيوني بعدها حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
المرحلة الثانية: 19/1/2025
جاءت المرحلة الثانية لتعيد رسم معادلة القوة، حيث تحرر 1778 أسيرًا شملت فئات متنوعة، 294 مؤبدًا وأحكامًا عالية، بالإضافة إلى 71 امرأة و95 طفلًا و1024 من قطاع غزة.
كما شهدت هذه المرحلة توزيع الإفراج على سبع دفعات متتالية:
الدفعة الأولى (19 يناير): 90 أسيرة وطفلًا من الضفة والقدس.
الدفعة الثانية (25 يناير): أسير أردني واحد و199 أسيرًا فلسطينيًا، بينهم 121 مؤبدًا، و70 نقلوا خارج فلسطين المحتلة.
الدفعة الثالثة (30 يناير): 110 أسرى، منهم 32 مؤبدًا و30 من الأطفال والنساء.
الدفعة الرابعة (مطلع فبراير): 18 مؤبدًا، و54أحكامًا عالية، و111 من غزة اعتُقلوا بعد الـ 7 من أكتوبر لعام 2023م.
الدفعة الخامسة (8 فبراير): 183 أسيرًا من الضفة والقدس وغزة، بينهم 111 اعتقلوا بعد الـ 7 من أكتوبر لعام 2023م.
الدفعة السادسة (15 فبراير): 369 أسيرًا، بينهم 333 من غزة و36 مؤبدًا.
الدفعة السابعة (27 فبراير): 642 أسيرًا، بينهم 151 مؤبدًا أو أحكامًا عالية، و445 من غزة، و46 طفلًا.
في المقابل، أطلقت الفصائل الفلسطينية سراح 33 أسيرًا صهيونياً، بينهم 25 على قيد الحياة و8 جثامين، ما عكس توازنًا دقيقًا في المفاوضات، وحوّل قوائم الأسرى إلى رافعة قوة فلسطينية جديدة، إلا أن العدو الصهيوني انقلب على الاتفاق مع المقاومة وأعاد استئناف حرب الإبادة.
المرحلة الثالثة: 13/10/2025م
في مشهد تاريخي، تحرر 1968 أسيرًا، بينهم 250 مؤبدًا وأحكامًا عالية، و2 نساء، 15 طفلاً، و1700 من أسرى قطاع غزة، كانت لحظة الشعور بالحرية بعد سنوات من القيد والمعاناة، لتثبت أن الدم الفلسطيني والتضحيات المستمرة قادرة على فتح أبواب الحرية، مهما طال الانتظار.
في المقابل، أطلقت الفصائل الفلسطينية سراح 20 أسيرًا صهيونياً على قيد الحياة، وعددا آخر من جثامين الصهاينة الأسرى، وبذلك التزمت المقاومة باتفاق وقف إطلاق النار، وقامت بتسليم الأسرى الأحياء وما بين أيديها من جثث استطاعت الوصول إليها حتى لحظة كتابة التقرير.
لقد وعدت كتائب القسام وأوفت بالوعد، وما زالت على العهد لمن تبقى من أسرانا الأبطال؛ أن تبقى قضيتهم على رأس أولوياتها الوطنية حتى ينالوا حريتهم جميعاً، فقد قدمت غزة ومقاومتها أغلى ما تملك وسعت بأقصى استطاعتها من أجل كسر قيدهم، ولن يهدأ لها بال ولن يقر لها قرار حتى تحرير الأوطان وكسر قيد السجّان، وحتى يتنسّم كافة أسرانا البواسل عبير الحرية وعبق الانتصار.
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (سورة الشرح: 6) المقاومة في فلسطين ليست مجرد معركة بالسلاح، بل قصة شعب يرفض أن تُطفأ روحه. هي جذور زيتونٍ عتيق، تعاند العواصف وتُعانق السماء. هي طفل يحمل حجراً كأنه يحمل
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾.....﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾
طوفان الأقصى ملحمة ملهمة لمن يعرف القضية الفلسطينية و صحوة ضمير عالمية حررت عقول من لا يعرفها من الرواية الصهيونية و تحرر بتضحيات الأوفياء الأسرى الذين بذلوا هم أيضا الغالي من أجل المقدسات و الوطن
أضف مشاركة عبر الموقع