رحلة جهادية بين ذكريات في السجون

جمعة أبو خليفة
  • جمعة أبو خليفة
  • عدة مرات
  • مجاهد قسامي
  • 2004-01-01

الأسير القسامي/ جمعة أبو خليفة
رحلة جهادية بين ذكريات في السجون

القسام - خاص:
تعيش عائلة المعتقل القسامي جمعة أبو خليفة من مخيم جنين في حالة قلق شديد على مصير ابنها المعتقل ضمن الحملة التي استهدفت مناصري حماس في محافظة جنين في تشرين ثاني من عام 2004م، وأدت إلى اعتقال العشرات منهم.
أبو خليفة لم يمض على خروجه من السجن لدى اعتقاله سوى ثلاثة أشهر، ذلك الاعتقال الذي بترت فيه ساقه إثر اعتقاله جريحاً خلال معركة مخيم جنين حيث تقول زوجته، إن زوجها لم يحصل على الحد الأدنى من الرعاية الصحية، عند اعتقاله وهو جريح خلال المعارك العنيفة التي كان المخيم مسرحاً لها في نيسان 2002م، فلجأ الأطباء الصهاينة إلى بتر ساقه، بعد أن تناسوا القسم الذي يؤديه كل أطباء الدنيا قبل ممارسة مهنة الطب، ويدعوهم لمعالجة المريض بكل أمانة وإخلاص، مهما كانت جنسيته أو عرقه أو دينه.
وتؤكد الزوجة، إن الأطباء الصهاينة، تركوا زوجها دون تقديم الحد الأدنى من الرعاية الصحية، حيث كان يعاني من إصابة بعيار ناري في ساقه التي أصابها التعفن، فلجأ الأطباء في مستشفى "العفولة"، إلى بترها من الفخذ، في عملية استهدفت زيادة إعاقته.
ويؤكد أفراد من عائلة أبو خليفة، أن رحلة معاناة ابنها بدأت بعد إصابته أثناء اجتياح المخيم، واعتقاله من قبل جنود الاحتلال ممن تلذذوا في سماع أنينه وهم يحتجزونه مع عشرات المعتقلين، في "حرش السعادة" غرب المخيم، مرورا بنقله للمستشفى، وبتر ساقه من الفخذ، وتمديد اعتقاله لمدة خمسة عشر شهراً، حتى تم إطلاق سراحه صيف عام 2004م.

فرحة لم تكتمل

لم يكد أبو خليفة، يهنأ بإطلاق سراحه وتحرره من قيد الاحتلال، حتى كان مرة أخرى هدفاً للاعتقال من قبل جنود الاحتلال ممن أغاروا على منزله في المخيم، وأرهبوا زوجته وأطفاله، وانتزعوه من بينهم، واعتدوا عليه بالضرب المبرح أمام أعينهم، دون أن يأبهوا على الإطلاق لإصابته وكونه معاقا، ذلك أنه رفض أن يركن إلى الدنيا بعد خروجه من السجن ويتعذر بإصابته ورجله المبتورة، بل صمم أن ينخرط في العمل الجهادي مرة أخرى فهو يرفض مطلقًا أن يكون مع القاعدين.

قصة الإصابة

أصيب أبو خليفة أثناء الاجتياح الصهيوني المدمر للمخيم في نيسان 2002م، وتحديدا في اليوم الثالث من الاجتياح، حيث كانت كل أحياء المخيم، هدفا للقصف بالصواريخ والقذائف والرصاص الثقيل، في ذلك اليوم، كان أبو خليفة يحاول الانتقال من أحد المنازل في حي "الحواشين" الذي مسحته آلة الحرب الصهيونية عن وجه الأرض، قاصدا منزل شقيقه خالد في الجوار.
حيث تضيف زوجته: "كان هناك إطلاق نار كثيف، وكان لزاماً عليه قطع شارع للوصول إلى منزل أخيه خالد، فانتظر حتى هدأ إطلاق النار، فركض مسرعاً حتى انطلقت نحوه زخات من الرصاص، فسقط على الأرض، دون أن يشعر بأي ألم يذكر، مع أنه سمعت صوت شيء انكسر".
وأضافت: "في تلك اللحظات، نظر من حوله وإذا بالدم ينزف من ساقه اليسرى، فبدأ يزحف إلى الجانب الآخر، ثم وقف على قدمه اليسرى وبدأ يقفز والدماء مازالت تنزف نتيجة تحريك قدمه التي لم يبق لها إلا القليل من اللحم ليربطها برجله، وصل إلى بيت شقيقه، وكانت هناك عقبة أخرى تواجهه، فلم تكن طرقاته المتواصلة كفيلة بفتح باب المنزل الذي هجره أهله، ما اضطره إلى تسلق الجدران والدخول من فتحة الشباك التي بلغ ارتفاعه المترين، واستلقى بعدها على فرشة من الإسفنج داخل البيت واتصل مع بعض الأصدقاء لأخبرهم بما جرى معه".

حالة من الإغماء

وفي محاولة منه لوقف نزيف الدماء المتدفق الذي نال منه الكثير من الجهد، قام أبو خليفة بوضع كمية كبيرة من القهوة على الجرح ودخل بعدها في حالة من الإغماء، ليستيقظ على صوت شقيقه خالد الذي قدم له العلاج اللازم والقليل من ماء الشرب خشية تجدد النزيف.
بعد ثلاثة أيام من الإصابة اقتحمت قوة كبيرة من جيش الاحتلال المنزل الذي لجأ إليه أبو خليفة، بحثاً عن الشخص الذي أصيب قرب المنزل قبل عدة أيام، وذلك بعد أن دلت الدماء الموجودة على الجدار على مكانه، ففجر الجنود الباب بقنبلة دمرت أجزاء كبيرة منه، واستخدموا عدداً من المواطنين كدروع بشرية، ونقل جنود الاحتلال، الجريح أبو خليفة، داخل دبابة إلى "حرش السعادة" الواقع على مشارف المخيم والذي تحول إلى ثكنة عسكرية.
كان ذلك في الساعة العاشرة ليلاً، حيث قال المعتقل أبو خليفة حول تلك الحادثة: "فتشني الجنود بدقة، وأخذوا مني كل ما أملك من نقود وهواتف نقالة، وباءت محاولاتي لإقناعهم والضابط المسؤول بنقلي إلى المستشفى لسوء حالتي الصحية، بالفشل، ورد علي الضابط بالقول، إنه سيأتي من يهتم بحالتي الصحية!، فجاءني أحد الجنود وهو يبكي ويحمل صفحة من جريدة "صهيونية" كانت عليها صور القتلى الأربعة عشر في كمين المخيم، ووجه حديثه لي بالقول، (إنكم قتلتم كل أصدقائي)، وبدأ ومجموعة من الجنود بتعذيبي والتناوب على ذلك، بالقفز على صدري عشرات المرات، لدرجة شعرت أن قفصي الصدري قد تحطم نهائيا بعد أن بدأت أسعل دماً، في حين قام بعضهم باستغلال رجلي المكسورة كوسيلة للتعذيب بركلها بكل قوتهم وركلي على وجهي بأحذيتهم والوقوف عليه وفرك أحذيتهم بجبهتي وأنفي، وكان يقطع صراخي الناتج عن الألم الشديد حالات إغماء مستمرة نتيجة التعذيب، واستمر الوضع لأكثر من خمس ساعات لغاية الثانية فجراً".

في مستشفى العفولة

في تلك الساعة نقل جنود الاحتلال، الجريح أبو خليفة، إلى مستشفى العفولة حيث أجريت له عملية جراحية تم خلالها توصيل ساقه المبتورة بواسطة سيخ من البلاتين، وكانت نتيجة العملية الجراحية ناجحة إلا أن الأطباء منعوا عنه الأدوية والعلاج، عندما علموا أنه من مخيم جنين وأصيب خلال الاشتباكات.
ووفقا لما قاله أبو خليفة، فإن ملامح التلف بدأت تظهر على رؤوس أصابع ساقه المصابة، وجاء أحد الأطباء ليخبره بضرورة قطعها، فوافق على ذلك لما رآه من تزايد مستوى التلف بشكل كبير.
ورغم ذلك، تعمد الأطباء الصهاينة، تأخير موعد إجراء عملية البتر أكثر من خمسة أيام، وكانوا يواجهون إلحاحه بالإسراع بإجرائها بالقول: "لم يأتي دورك بعد"، وهو ما زاد من درجة التلف في ساقه المصابة.
وعند إجراء العملية، قال أبو خليفة: "أخبرني أحد الأطباء أن البتر سيتم من أسفل الركبة، ولكن عندما استيقظت صعقت أن البتر تم من وسط الفخذ، ولم تشفع لي إصابتي بالإفراج عني، بل حولوني إلى مستشفى الرملة تمهيداً لنقلي إلى السجن لقضاء فترة اعتقال إداري لمدة ثلاثة شهور".
وبعد انقضاء فترة الاعتقال الإداري، وتحديداً في الموعد المقرر للإفراج عنه، تم استدعاء أبو خليفة، إلى مكتب الضابط المسؤول عن السجن، حيث كان يشعر بفرحة غامرة لاعتقاده الخاطئ أنه سيبلغ بقرار الإفراج عنه.
إلا أن المفاجأة كانت، إبلاغه بقرار تمديد اعتقاله الإداري لمدة ستة شهور أخرى، وذلك رغم التدهور المتواصل على حالته الصحية، بعد بتر ساقه.
ونجحت محاولات الجريح أبو خليفة، بالحصول على طرف اصطناعي يمكنه من الحركة، بواسطة الصليب الأحمر، وذلك بعد أن رفضت مصلحة السجون الصهيونية توفيره، رغم حاجته الماسة له.

تمديد آخر

وما أن انقضت فترة التمديد الثانية، حتى أبلغت إدارة السجن المعتقل أبو خليفة، بتجديد اعتقاله الإداري لمدة ستة شهور أخرى، للمرة الثالثة على التوالي.
ولم يكن نبأ إصابته أو حتى بتر ساقه، صاعقا بالنسبة لأسرته التي كانت تعتقد لفترة طويلة، أنه استشهد ففرحت بكونه لا يزال على قيد الحياة.
وحاول أبو خليفة جاهداً، التأقلم مع وضعه الجديد، خصوصاً بعد إطلاق سراحه، ومحاولة إيجاد عمل جديد مناسب لإعاقته الحركية، حتى أفلح في شراء سيارة استخدمها لأغراض البيع المتنقل.

إلى السجن مرة أخرى

ويعود أبو خليفة إلى السجن في ليلة ظلماء بادرة... في تلك الليلة، اعتدى جنود الاحتلال بالضرب المبرح على أبو خليفة، وأخرجوه من منزله بلا حراك، إلى جهة مجهولة، حتى أتت الأنباء لعائلته لتؤكد أنه نقل إلى أحد المستشفيات الصهيونية، لتلقي العلاج نظرا لحالته الصحية الآخذة في التردي، أما أطفاله فما زالوا ينتظرون ذلك اليوم الذي يعود فيه جمعة إلى المنزل .
وتتهم قوات الاحتلال أبو خليفة بأنه عضو في خلية تابعة لكتائب القسام كانت تخطط لاختطاف جندي صهيوني من أجل مبادلته بأسرى فلسطينيين، إضافة إلى نشاطات أخرى في كتائب القسام.

جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026