الأسير القسامي/ عثمان سعيد بلال
أول تلاميذ المهندس يحيى عياش في شمال الضفة
القسام - خاص:
حالة من التأهب القصوى تجتاح الكيان الصهيوني، الأجهزة الشرطية تطوق الضفة الغربية، وكل مدخل يؤدي الى المناطق المحتلة عام 1948م، وعمليات تمشيط واسعة عبر طائرات الهيلوكبتر، وطائرات التجسس، وأمهر المحققين يجتمعون في سجن نابلس المركزي، لانتزاع المعلومات، فقد قبضت أجهزة المخابرات الصهيونية، على اثنين من أبرز خبراء المتفجرات في شمال الضفة، وأبرز تلاميذ المهندس يحيى عياش، ويحاول الكيان الصهيوني، فك الشيفرة الخاصة التي تبطل العملية الاستشهادية القادمة، وكيف ذلك؟
اثنان من القساميين يحملون بين جنباتهم المعلومات التفصيلية عن العملية القسامية القادمة، في أية لحظة ستقع في عمق الكيان الصهيوني، بعد أن اقتحمت القوات الصهيونية معملهم ووصول معلومات استخبارية عن عملية استشهادية قريبة الموعد.
لديهم الإجابات عن متى؟ وأين ؟ وكيف ستتم العملية؟
فهل تستطيع أجهزة المخابرات الصهيونية التي تتبجح بدهائها وأجهزة التحقيق حل لغز العملية القسامية وإحباطها؟ وكل ما لديهم في عقل وقلب المعتقل القسامي عثمان سعيد بلال ابن العشرين عاما في ذلك الوقت، وزميله القسامي عبد الناصر عطا الله عيسى؟
لنتابع سير التحقيق:
المكان: سجن نابلس المركزي.
التاريخ: قبل يوم من تنفيذ العملية في حي (رامات أشكول) يوم الاثنين الموافق 21 آب 1995م في مدينة القدس المحتلة.
الهدف: حل شيفرة العملية، واستخراج ما لدى عثمان سعيد بلال ابن العشرين عاما وزميله القسامي عبد الناصر عطا الله عيسى من معلومات حول العملية لإحباطها.
في غرف التحقيق
عثمان مكبل اليدين والرجلين وهو جالس على كرسيه في غرفة التحقيق، يقترب منه المحقق "ستيف" الملقب "بأبي سكسوكة " وفجأة! تبتلع يد المحقق الفك السفلي لعثمان، يسحبه تجاهه ويقول له بكل ثقة: عثمان، أنا وظيفتي هنا هو انتزاع المعلومات، ووظيفتك أنت أن تحبسها عني، وسنرى من الرجل في النهاية!
ويخضع عثمان لتحقيق مميت لانتزاع المعلومات، وبين جلسة عثمان على كرسيه الآن، والعملية التي لا يَعرف وقتها الصهاينة، يومان فقط، ولسان عثمان بلا حراك، والمحقق يروغ منه كما يروغ الثعلب، مطبِّقاً كل ما تعلمه من أساليب انتزاع المعلومات على أيادي أمهر الأطباء النفسيين والمحققين، ولسان عثمان يكمل استرخاءه بين أضراسه، التي على استعداد أن يحركها لقطع لسانه عند الإدلاء بأية معلومة، مهما صغرت عن العملية، وبعد جولات عديدة من التحقيق المصاحب للتهديد حيناً باستباحة عرضه، وقتله حينا آخر، يمسح "ستيف" عَرَقه عن جبهته الحمراء المتحشرة بالدم، والشرار يتطاير من عينيه وهو ينظر إلى المجاهد الصامت عثمان سعيد، ويخرج كاظما غيظه، لفتح المجال للزبانية والجلادين علَّهم يحصلون على شيء.
ومرة أخرى يُفتح باب من جهنم على المهندس القسامي ذي العشرين ربيعاً، الزبانية يذيقون السجائر المشتعلة لحم معاذ، وسيجارة تنطفئ وأخرى تشتعل، والسجائر تتساقط وكذلك معنويات الجنود، وعثمان لا حراك وعيناه تستشرفان أستاذه في فن الفداء الصحابي الجليل "خبَّاب بن الأرت" وما لاقى من عذابات قريش في سبيل دعوته، وتمسح وجنتيه الحارتين الفَرحَةَ المرتقبة، وبأن هذه النار ستندلع في قلوب الصهاينة غضباً، بعد أقل من يوم، عند تنفيذ العملية إن شاء الله، ليزيد ذلك من إصرار عثمان على الصبر الذي لم يتزعزع، وتدور رحى التعذيب من جديد مرة بالشبح ومرة بالسجاير، ويُمطر جسده بالكثير من اللكمات من ثور هائج، لكمة تلو الأخرى تهوي على خاصرة عثمان إلى أن شقت الدماء طريقها من بين فكيه المطبقين اللذين فتحهما للبصاق، وتعتلي الجلادين فرحة النصر المؤقت، ونظرات عثمان توجه رسالة إلى الجلادين، بأن لا تفرحوا مني بأكثر من هذه البصقة!.
ويخرج الجلادين ويعود الكابتن "ستيف" الذي استمر أكثر من خمسة ساعات يتابع التحقيق عبر كاميرا خاصة مثبتة داخل الغرفة، يعود بكل حيوية و يقول: "حبيبي عثمان إحنا مابدنا نتعبك معانا، بدنا مصلحتك ومصلحة كل الشباب، بس احكيلنا وين بدو يروح المخرب، أنا بوعدك إنو ماراح نعمل معاه إشي… بوعدك وعد شرف… انته بس احكيلنا".
ويتنظر المحقق ستيف قليلا ليفسح المجال أمام عثمان ليتكلم، وعثمان الذي أقسم بداخله بالقول (إني نذرت للرحمن صوما فلن أُكلِّم اليوم إنسيا)، وستيف لا يسمع إلا صدى صوت السؤال ويضرب المحقق يده بالطاولة ثم يكظم غيظه المتدفق من تحت أنيابه المصطكة، ويخرج من خلف مكتبه باتجاه عثمان الجالس أمامه على كرسيه،"طيب كيف إتعرَّفت عليه. من أي بلد هو.. قديش عمره.. مش حرام عليك تخليه يروح يموت؟مش حرام بدينكم الانتحار؟"
عثمان الذي طأطأ رأسه بين كتفيه يستمع إلى سيل الأسئلة التي خالطها المكر والخبث والاستفزاز، يرفعه بكل هدوء وينظر إلى الكابتن ستيف، وتعتلي ستيف ابتسامة عريضة وتتسع عيناه ويقول بكل فرح:"هاه.. بدك تحكي؟".
ويعيد عثمان رأسه حيث كان، وتنهال على وجنته لكمة قوية من يد ستيف وهو يصرخ: "راح تحكي برغبتك أو غصباً عنك والا راح أنسِّيك طعم حليب أمك".
ويعود الزبانية مع أدوات تعذيب جديدة، والساعات تمر على عثمان ببطء بانتظار وقت العملية المرتقبة، والزبابية والمحققين يحاولون استخراج بضعة حروف من فمه لإنقاذ أرواح عشرات الصهاينة من مصير محتوم، والعذاب الجسدي ينصب على الشاب القسامي عثمان لساعات، ويتناوب الزبابية على ذلك من وقت لآخر، بعد أن يأخذ الجهد منهم مأخذه في تعذيبهم لعثمان، وهو ينتظر بضعة ساعات لتفصح للمحققين ولكل الدنيا عن معلوماته الذي دفنها في أعماقه، وتابعوا تعذيبه بهزه هزات عنيفة يدوياً -الأمر الذي يمكن أن يحدث عملية ارتجاج في المخ والتي قد تودي بحياة المعذَّب، إن طالت العملية عن فترة محددة– يتوقف الهز وعثمان يلهث بشدة من فرط الهز، ثم يعاود المحققون الكَّرة، مرة تلو المرة بمدة زمنية محددة تؤدي إلى التعب الشديد والبقاء على حياة المعذب، عثمان يشعر بحالة من عدم الاستيعاب وحالة من الهذيان اللاشعوري من شدة الهز، قام بعدها الزبانية بشبحه في سقف الغرفة وانهالت عليه العصي والكرابيج من الجلادين من كل حدب وصوب، واستمر التعذيب بشكل متواصل.
وينطلق الإستشهادي على بركة الله
في هذه الأثناء وفي صبيحة يوم الاثنين الموافق 21 آب 1995م، نجح القساميان: محي الدين الشريف وعبد المجيد رشيد بترتيب نقل المجاهد الاستشهادي سفيان جبارين الى محطة الحافلات المركزية في الشطر الغربي من القدس بعد أن حصل على عبوته من نابلس عن طريق ضابط اتصال بين خلية نابلس وخلية القدس، وبعد أن شرحوا له طريقة تشغيل المتفجرات وخطة العملية.
وما أن وصلت الحافلة رقم (26أ) إلى المحطة، وقفت الحور العين في طابور ممتد ترقب عريسها، وتلوح له وهو يقفز الدرجات صعودا في حافلة الشهادة الأجمل، حتى أخذ المجاهد الاستشهادي القسامي سفيان جبارين، مكانه في الجزء الخلفي منها، إذ أنها حافلة مزدوجة تتكون من شطرين موصولين بنظام خاص.
وسارت الحافلة مخترقة الشوارع المزدحمة في حي "رامات أشكول"، وهو أول حي صهيوني أقيم في القدس الشرقية بعد احتلالها عام 1967م، وسارت الحافلة في طريقها المعتاد، وقد أخذ شهيدنا الحي مكانه في الجزء الخلفي، وخلال دقائق معدودة وصل الموكب إلى مفترق ليفي أشكول في نحو الساعة السابعة وثلاث وخمسون دقيقة، وهي ساعة الذروة الصباحية، و حينها لاحت الفرصة الذهبية للارتقاء، حيث اقتربت الحافلة رقم (9)، وأضحت بمحاذاة الحافلة رقم (26أ)، وعندئذ وقف المجاهد القسامي الاستشهادي سفيان جبارين، ليزأر بنداءه الخالد، (الله اكبر) قبل أن يفجر عبوته الناسفة، ليدوي انفجار ضخم شطر الحافلة رقم (26أ) إلى شطرين، مدمراً الجزء الخلفي بشكل كامل لتتحول الحافلة إلى كومة من الحطام بعد أن تناثرت منها قطع الحديد الملطخة بالدماء، بينما لحقت أضرار بالغة في الحافلة الثانية من جراء ضغط انفجار العبوات التي قدر الخبراء زنتها بين 4-6 كيلوجرامات، أعلن الكيان الصهيوني على لسان الناطق العسكري عن مقتل خمسة قتلى من بينهم ضابط برتبة ميجر ومائة وسبعة جرحى صنفت جروح ثمانية منهم بأنها خطرة .
عودة إلى بطلنا
عثمان كانت في هذه اللحظات تلون جسده شتى ألوان التعذيب، والزبانية حوله من كل جانب، يتناوبون على تعذيبه، ولم يقطعها إلا صياح الكابتن ستيف، الذي فتح الباب بكل قوة مختلطة بالغضب والعصبية، وقال موجهاً كلامه إلى عثمان: "الآن فرحت يا إبن ال..." وانهالت عليه الشتائم القذرة من فم "ستيف" الأشد قذارة، لقد فجر سفيان نفسه في القدس، صرخ عثمان مكبراً في وجه الزبانية الذين انهالوا عليه ضرباً، من الحقد الذي حشر في عروقهم من صوته الذي خرج بعد فوات الأوان.
من رحم الأم .. الى رحم الجماعة الأم "الإخوان المسلمين"
أبصر القسامي عثمان سعيد بلال ( أبوقيس ) الحياة في مدينة نابلس في 27من شهر أيار/مايو لعام 1975م، و تنحدر أصول عائلته من بلدة طلوزة شرق مدينة نابلس، ولد في بيت تشبَّع بحب الشهادة والجهاد، والده الشيخ الداعية سعيد بلال أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين في الضفة الغربية وأحد مؤسسيها.
احتضنته مدارس مخيم بلاطة حيث مسكنهم الأول في مدينة نابلس في المراحل الابتدائية، وانتقل بعدها إلى مدرسة ابن قتيبة في المرحلة الإعدادية، ليكمل دراسته الثانوية في مدرسة الملك طلال الثانوية، كان عثمان رابع أشقائه الخمسة (بكر، وعمر، ومعاذ، وأصغرهم عبادة) الذي طلبنا منه أن يصف لنا عثمان فقال عبادة: لم أرَ في حياتي شاباً مثل عثمان، فهو من أكثر البكَّائين في الصلاة، حافظ لكتاب الله عن ظهر قلب، ومحافظ بشكل كبير على صلاة الجماعة، عثمان هادئ جداً، فهو أهدأ من الهدوء، كثير الابتسام، دبلوماسي جداً، يعالج الأمور بعقلانية، محبوب جداً، أصدقاؤه من جميع الأطياف السياسية، وتربطه بهم علاقات وطيدة جداً، شتم الذات الإلهية أكثر مستفِزَّاتِهِ، حتى لو صدرت عن طفل صغير، عرف الحلقات التربوية التي يعقدها شباب الإخوان في المساجد منذ نعومة أظفاره في مسجد الروضة في منطقة سكناه، احتضنته الجماعة الأم "جماعة الإخوان المسلمين" بين ثنايا أُسَرِها في المرحلة الإعدادية، وليكون أميراً للحركة الطلابية الإسلامية في مدرسة ابن قتيبة، وبعد أن انتقل إلى مدرسة الملك طلال، كان من اللجنة المشرفة على الحركة الطلابية الإسلامية في المدرسة وكان من أوائل اللَّبِنات الشابة في حركة المقاومة الإسلامية حماس في بداية تأسيسها في مدينة نابلس عام 1987.
مهندساً جديداً في صفوف الكتائب
بدأ انلتحاق عثمان بالأمور الجهادية والعسكرية مبكرا جدا وهو على مقاعد الدراسة، حيث استغل جمال خطه في مساعدة إخوانه في كتابة الشعارات ليلاً على جدران شوارع نابلس، وما زال بعضها إلى الآن يزين العديد من شوارع وأزقة المدينة، وكان أول اعتقال له في السادسة عشر من عمره بتهمة المشاركة في فعاليات الانتفاضة، بعد أن تأسست كتائب الشهيد عز الدين القسام، كانت بعض الخلايا التابعة لها تعمل تحت اسم كتائب الشهيد عبد الله عزام، والتي كان عثمان أحد أفرادها الذين انضموا إليها في العام 1993، وكان للقائد القسامي عبد الحكيم حنيني قائد كتائب الشهيد عبدالله عزام الفضل على عثمان بان جنده في الكتائب، والذي يقضي الآن محكوميته في سجن "هداريم" بالسجن مدى الحياة بتهمة قيادة الكتائب. وعلى المستوى العام للكتائب في الضفة فقد ركز الشهيد يحيى عياش في عمله في المنطقة الشمالية على خلية في نابلس تحت قيادة المعتقل القسامي عبد الناصر عطا الله عيسى الذي كان عثماننا ذراعه الأيمن، ومن خلية أخرى في منطقة القدس المحتلة تحت قيادة المهندس القسامي محي الدين الشريف والخلية التي تكونت منهما، كان ضابط الارتباط بين الخليتين القسامي حاتم إبراهيم عبد الرحمن سعيد.
ومنذ انضمام عثمان إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام كان مثالا للجندي القسامي الحريص على تنفيذ الأوامر، وتحويل كل كلمة مسموعة من قيادته العسكرية، إلى فعل مترجم مائة بالمائة.
ففي الشهر الثالث من عام 1993م، كان على القسامي عثمان التوجه إلى عمارة العنبتاوي في وسط مدينة نابلس والتي كانت نقطة صهيونية للمراقبة، والقيام بأخذ سلاح أحد الجنود خفية، وقام بذلك بعد أن تسلل إلى العمارة إلا أن أحد الجنود الصهاينة شاهده، فما كاد يطلق صراخه لاستدعاء زملائه، حتى عاجلته سكين عثمان التي زرعها في صدره، ليسقط الجندي أرضاً، والزبد يتدفق من فمه، إلا أنه وفي غفلة منه، سقطت بطاقته الشخصية قرب الصهيوني المصروع، ويعود عثمان إلى عرينه القسامي، ليُقبض على عثمان بنفس الليلة، بعد أن قام المدعو (الكابتن إبراهيم) باقتحام منزله، وخضع لفترة تحقيق قاسية مصاحبة لتعذيب شديد استمرت لمدة 120 يوما، وقام المحققون بكيِّه بالسجائر وفرك عيونه وانفه بالملح، وتعرض للشبح لفترات طويلة مما أدى إلى اصابته بتقرحات جلدية كبيرة في الجسم، ودخل الى غرف العصافير لفترات طويلة –غرف العصافير: عبارة عن سجن به عشرات العملاء الذين يشعرون السجين الوحيد بأنهم وطنيون لاستدراجه للتكلم عن بطولاته والحصول على المعلومات التي يريدها أسيادهم الصهاينة– إلا أن عثمان لم يعترف بشيء، ونفى أية علاقة له بقتل الجندي وادعى أن هويته مفقودة منذ أشهر، ولعدم وجود شهود على عمليته فلم تثبت عليه التهمة حيث حكم عليه لمدة سنة تسمى في القضاء الصهيوني (للردع) قضاها في سجون مجدو والنقب.
الحرب خدعة
وبعد أن خرج من السجن، شعر ذَوو القسامي عثمان وأصدقاؤه إن عثمان الذي خرج من السجن، لم يكن عثمان الذي يعرفونه! فقد حلق لحيته وشاربه، وكانت قصة شعره أشبه ما يكون بقصة المارينز الأمريكي، ملابسه لا توحي بالتزامه بتعاليم دينه، يمشي في شوارع المدينة وهو يغني والمسجل الصغير المزود بالسماعات الخاصة على أذنيه، ووالدته تقول: أنها ترى سيجارة في منفضة السجائر التي دخلت حديثا إلى غرفته، ولكن ماذا جرى لعثمان يا ترى؟، والده يسأل معاذ عن السبب: إلا أنه لا يعرف شيئاً، وبكر أيضاً وعمر وعبادة، يستفسر منه والده عن السبب عثمان يرد: هذه حياتي وأنا حر فيها! ، والده يقرر مقاطعته حتى إصلاح أحواله.
القلب الثابت والقالب المتغير
عثمان بقي كما هو، عثمان سعيد بلال ابن كتائب الشهيد عز الدين القسام، ولكن كثرة العيون الني تراقبه وتتبع خطاه أينما ذهب، إلى المسجد، إلى السوق، وإلى كل مكان يذهب إليه، ألجأته إلى هذه الحيلة التي انطلت حتى على أقرب الناس إليه، للتخفيف عنه ولتسهيل حركته وعمله، ولكن الضغط النفسي الذي لم يعتد عليه بسبب مقاطعة أهله له، جعله يتوجه إلى شقيقته الكبرى "أُم جُنيد" ليُفصح لها عن السبب، فقد كان الشريط في المسجل أحد وجوهه عبارة عن أغاني لإقناع الآخرين بمحتواها، ولكن على الوجه الآخر وما كان يستمع إليه عثمان كانت دروس عن عذاب القبر، السيجارة ما كانت إلا كِسرة منها أشعلت ثم وضعت بالشكل التي توحي بأنها مستعملة، ولذلك لم تكن سريته الشديدة تسمح لأي شخص الإمساك بأي خيط يرشد إلى ما يقوم به، ففي فترة امتحاناته النهائية، للمرحلة الثانوية (التوجيهي) كان يعود من امتحاناته إلى معمله ليصنع المتفجرات برفقة عبد الناصر عيسى.
محاولة لإغتياله
ورغم أنه نجح في التخفيف من العيون التي تتبعه إلا أنه تعرض بعدها لمحاولة اغتيال محتومة، كان للعناية الربانية دور كبير في إفشالها، فبينما كان عثمان يمشي بهيئته السابقة قرب المستشفى الوطني في نابلس كان يمشي باتجاهه من الجهة المقابلة أحد المستعربين الصهاينة، وما إن تعداه وتأكد من هويته، حتى عاد إليه المستعرب، ورفع سلاحه باتجاه راس عثمان، ليطلق النار عليه، إلا أن عثمان الذي تجاوز طوله ال195سم، أزاح برأسه عن الرصاصة، فأصابت كتفه الأيمن، وفر الصهيوني هارباً بعد أن اعتقد انه أنهى مهمته، وحُمِل عثمان إلى المستشفى بسرعة، وقام الأطباء بإغلاق جرحه، وبعد مراجعته للطبيب لتغيير الضمادات شكى عثمان للطبيب بوجود شيئاً صلباً في كتفه الأيسر، ولكن كانت المفاجأة، أنها الرصاصة، وبعد صورة الأشعة التي أظهرت سير الرصاصة وُجِدت أنها دخلت من الكتف الأيمن، مخترقة النخاع الشوكي لتستقر في الكتف الأيسر، وقد اجتمع الأطباء ليفسروا الظاهرة، إلا أنهم عجزوا عن ذلك، فقد أكد له الأطباء أنه بحكم الطب يجب أن يكون مشلولا بعد إصابة النخاع الشوكي، وقال له الطبيب: (أن هذا شغل ربنا).
وقد أصيب بعدها بفترة برصاصة حي من بندقية m16 في الركبة أثناء بعض الاشتباكات بين المتظاهرين وجيش الاحتلال.
الانتقــال إلى أريحــا
وبعد أن اشتدت خطورته على القوات الصهيونية إلى درجة محاولة اغتياله قام مع رفيق دربه القسامي عبد الناصر عيسى بالتوجه إلى مدينة أريحا التي كانت في تلك الفترة تحت سلطة الحكم الذاتي نهل من معلمه عبد الناصر عيسى العائد من غزة حديثا بعد أن التحق ظاهريا بالجامعة الإسلامية وفعليا (بالجامعة العيَّاشية) القسامية حيث كان عبد الناصر عيسى ومحي الدين الشريف أوائل التلاميذ من الضفة الغربية عند المهندس يحيى عياش الذي دخل إلى غزة متخفيا بشكل حاخام يهودي لإعادة ترتيب بيت الكتائب في قطاع غزة بمساعدة القساميين كمال كحيل ومحمد الضيف، لم يحتاج عثمان إلى الكثير من الدروس لإتقان صناعة المتفجرات على يد عبد الناصر عيسى وكذلك المهندس يحيى عياش الذي لحق بهم ليطمئن على سير عمليات التدريب في خلية نابلس، عند عبد الناصر، وفي خلية القدس عند القسامي محي الدين الشريف، والتي سميت بخلايا "تلاميذ المهندس يحيى عياش"، و بعد انتهاء مهمتهما في أريحا بعد أربعة شهور، عادا أدراجهما الى مدينة نابلس، وكانت المهمة القادمة كما طلب القائد يحيى عياش، تجهيز شقة خاصة لتجهيز عبوات ناسفة، فقام الاثنان وتحت اسم مستعار، باستئجار شقة في عمارة مكونة من خمسة أدوار، نقل إليها القساميان موادهما الكيماوية اللازمة للتصنيع، والأنابيب الكهربائية وبعض المواد الكهربائية اللازمة كذلك للتصنيع، وتحولت هذه الشقة إلى مشغل لصناعة المتفجرات وتجهيز العبوات الناسفة، وتمكنا من إعداد العديد من الحقائب التي تحتوي على المواد شديدة الانفجار المتصلة بأسلاك وأجهزة تفجيرية، وقاما بعدها بتجنيد العديد من الأشخاص لتكوين قاعدة قسامية في منطقة نابلس، وتجنيد استشهاديين للقيام بعمليات استشهادية.
الاستشهادي لبيب أنور فريد عزام
وفي تلك الأثناء أرسل إليهما القائد المهندس يحيى عياش عن طريق ضابط الاتصال حاتم إبراهيم إسماعيل اسمي الاستشهاديين القساميين القادمين اللذين سيفخِّخاِنهما ويخططا لهما سير العملية وهما لبيب أنور فريد عزام (23 عاما)، والاستشهادي سفيان سالم جبارين (26 عاما)، حيث قام القساميان عبد الناصر عيسى وعثمان بلال بتفخيخ الاستشهادي الأول لبيب عزام بحزام ناسف يزن أربعة كيلوغرامات شديد الانفجار، وبعد شرح تفاصيل العملية للاستشهادي لبيب عزام وكيفية عملية التفجير تم إيصال لبيب عزام إلى مكان العملية الاستشهادية في ضاحية "بني براك " في مدينة تل أبيب حيث استقل لبيب الحافلة رقم (20) المتجهة إلى ضاحية "رامات غان" وفي نحو الساعة الثامنة وأربعين دقيقة من صباح يوم الاثنين الموافق 24 تموز ( يوليو ) 1995، مرت الحافلة بالقرب من مبنى بورصة الماس، وعندئذ وقف القسامي لبيب وسط الحافلة وشغل جهاز التفجير، ليدوي انفجار هائل دمر الحافلة، وهرعت عشرات سيارات الإسعاف لتغسل عارها بنقل القتلى والجرحى، وأسفرت حسب ادعاء العدو، عن مقتل ستة صهاينة وجرح أكثر من ثلاثين آخرين ستة منهم جراحهم خطيرة، ليكبر القساميان عبد الناصر عيسى وعثمان بلال فرحاً على نجاح عمليتهما، وقد تميزت العملية بإيقاع دمار هائل في المحال التجارية والمكاتب في العمارات المحيطة بالشارع، وقد ادعى العدو أن معظم القتلى والجرحى من النساء مع العلم أنه في لائحة الاتهام كانت التهمة، إيقاع القتل في صفوف الجنود في العملية.
وقد نجحت العملية نجاحا متميزا في ترك أجهزة رابين الأمنية عاجزة عن تحديد من يقف خلف العملية، وبعد شهرين جاءت الأوامر من القيادة المركزية للكتائب برئاسة المهندس يحيى عياش، قيام خلية نابلس (عبد الناصر و عثمان) بالتعاون مع خلية القدس (محي الدين الشريف) لتنفيذ العملية القادمة عن طريق الاستشهادي سفيان جبارين، حيث قام عبد الناصر وعثمان بتجهيز العبوات والحقيبة المتفجرة اللازمة للاستشهادي، وإيصالها إلى القائد محي الدين الشريف ليكمل فصول العملية التي ستجرى في القدس.
وفي تلك الأثناء كان عبد الناصر عيسى وعثمان بلال وحاتم إسماعيل مساء يوم السبت 19 آب (أغسطس) 1995 في مدينة حيفا في جولة استطلاعية استعدادا لعملية قادمة، وتشاء الأقدار أنه وبعد عودة المجموعة وبعد قيام القسامي عبد الناصر عيسى بإيصال عثمان وحاتم إلى أماكن سكناهم، أن تعتقله القوات الصهيونية، ويُقتاد الى مركز تحقيق نابلس.
لقاء مع قدر الله
أما عثمان فقد كان في تلك الأثناء في منزل شقيقته "أُم جُنَيْد" وفي اليوم التالي توجه إلى منزله بعد أن أخبرته شقيقته بوجود ابن خالتهم أبا عبد الله القادم من السعودية في منزل العائلة، فتوجه إلى المنزل للسلام عليه، وفي المساء، بدأت حركة غير طبيعية تحيط بالمنزل، فتسللت نظرة من عيني عثمان من بين شقوق "الأباجور" وقال لأهله إنها عملية تصفية، فأطفأ الأنوار وقام بصلاة ركعتي الشهادة، واستعد للاحتمالات القادمة وبعد فترة قصيرة شاهد قدوم قوات كبيرة من أفراد الجيش، فقال لهم لا تقلقوا فهي عملية اعتقال، حيث طوقت القوات المنزل بشكل كثيف وانتشرت في الشوارع المحيطة، وعلى أسطح المنازل المجاورة نصبوا عبوات مضادة للأفراد، وطالبوا أهل البيت الخروج منه وإلا سيتم تفجيره حيث خرج كل من فيه وبعد خروج عثمان انقض عليه مجموعة من الجنود وقيدوه وكمموه، وقاموا بإطلاق سلسلة من القنابل الصوتية على الشبابيك مما أدى إلى تدمير "الأباجور" الموجود على الشبابيك معتقدين بوجود المهندس يحيى عياش في ضيافة عثمان، ثم قامت تلك القوات بعدها باقتحام المنزل بعد تكوين جدران بشرية من أهل الحي واقتحموا بعدها معمل التصنيع ليجدوا بعض الدلائل على تصنيع عبوات حديثة جدا، لينقل عثمان إلى سجن نابلس المركزي لاستخراج معلوماته ويحكم عليه بعدها، بعد ثبوت إدانته بعملية لبيب عزام وسفيان جبارين بالسجن لمدة خمسة عشر مؤبدا في سجن عسقلان، وفي سجنه الآن يرافقه شقيقه معاذ ورفيق دربة عبد الناصر عيسى والمعتقلين محمد ويوسف القرم والشيخ إبراهيم نواهضة ومحمود أبوسرية.
هذا وقد استطاع مجاهدنا عثمان أن يعوض ما فاته من دراسته، حيث أدى امتحان الثانوية العامة في العام1997 وينتسب إلى الجامعة العبرية حيث أنهى إلى الآن سنته الثانية في تخصص الصحافة والإعلام.
مواقف من حياة عثمان
*في أحد الأيام التي كانت أيام تصعيد في فعاليات الانتفاضة كانت عملية كتابة الشعارات تناط بعثمان، وبسبب أن الجيش يعلم أن الليل هو أنسب الأوقات لكتابة الشعارات فقد كانت الدوريات الصهيونية تنشط في العديد من الأحياء لإلقاء القبض على من يكتب الشعارات، لذلك كانت عملية الكتابة تحتاج إلى سرعة كبيرة عن طريق علب الرش، حيث أمسك عثمان بإحداها بسرعة لينهي مهمته بأسرع وقت إلا أنه أمسك الضاغط من الجهة الخاطئة مما أدى الى كتابة أول الشِّعار على جبهته، ليعود إلى بيته موسوماً بشكل أثار ضحك إخوانه.
* أثناء أزمة الخليج في العام 1990م، كانت القوات الصهيونية تعمل على قطع التيار الكهربائي بشكل كبير لذلك عمَّمت حركة حماس على العديد من أفرادها، رفع الأذان في مناطق متنوعة عن طريق سماعات يدوية، وكان عثمان مكلف بهذه العملية في منطقة سكناه حيث كان يخفي سماعته في أحد البيوت المهجورة كان لزاما عليه أن يقفز من شباكها لإحضار السماعة لرفع أذان صلاة العشاء، وأثناء إحضاره للسماعة من وسط الظلام الدامس كان يشعر أن أحداً يمشي خلفه، وقام برفع الأذان بسرعة غير معهودة وأعاد السماعة بسرعة إلى حيث كانت وهو يشعر أن أحدا ما زال يمشي خلفه حيث انطلق مسرعا إلى بيته وهو ينظر خلفه يلهث وانسل بسرعة تحت لحافه دون الافصاح عن شيء لإخوانه؟!!
* في أحد الإعتقالات التي قضاها عثمان في سجن مجدو أصيب بالهزال بشكل كبير ونظرا لطوله الفارع فقد زاد ذلك من مظهره الهزيل، وقد رآه أحد إخوانه في السجن وهو يحمل عصى (الجرادة أوالمسَّاحة أوالقشاطة) فقال له ممازحاً، ماذا بك يا عثمان كأني أراك تريد الهروب؟، فقال له عثمان ولماذا؟، فقال له الشاب: لأني أراك تختبئ خلف العصا!
* بعد أن اقتحمت القوات معمل التصنيع الخاص بعثمان وعبد الناصر قال الحاكم العسكري الصهيوني للشيخ سعيد بلال أن منظر المعمل مرعب، حتى كدت أن أقفز من الشباك ووصف العمل بأنها (حاجة تهز إسرائيل) وقال للشيخ: ابنك مخرب كبير لأنه قتل يهود فقال له الشيخ وماذا يعمل ابنك، يقتل هو الآخر عرب، ابنك بقتل عرب ابني بقتل يهود فنحن في حالة حرب.
* في فترة طفولة عثمان كان شقيقاه الكبيران بكر وعمر يمازحانه بوجود أصدقاء له من الجن يدعون (حشيش وربيع وجويد) وكانوا يعيدون نفس المزحة من وقت لآخر، ونظرا لكون بكر وعمر يدرسان في جامعة الخليل في تلك الفترة فقد كان يذهب إليهما عثمان في فترة الصيف حيث عطلة الجامعة، وفي أحد الأحراش القريبة من منطقة سكناهم ذهب عثمان ليتمشى فرأى هناك مخلوق قصير القامة أسمر البشرة مبروم الشعر، خرج لعثمان من بين الشجر دون سابق إنذار وقال لعثمان كيف حالك يا عثمان؟ فتفاجأ عثمان لمعرفته لاسمه زيادة على مفاجأته الأولى بخروجه، فبقي عثمان صامتاً يمتص الصدمتين فقال له الشاب، أما زلت تشاهد (حشيش وجويد) فانطلق بعدها عثمان يعدو إلى بيت إخوانه بسرعة كبيرة. ولم يحدث أحداً بما رأى وفي أحد الأيام في مدينة نابلس عاد إلى منزله فرأى نفس الشاب في منزلهم والذي كان صديق أشقائه فلما رآه عثمان انفجر الاثنان من الضحك.