سطر ببصماته ملاحم إِيلام المقاومة للمحتلين، وصاغ مرحلة في مواجهة الاحتلال من أقوى المراحل الجهادية حتى أصبح رمزاً للنضال في فلسطين، فهو عنوان الأسطورة الفلسطينية الحقيقية التي جددت الأمل وقتلت اليأس وأعادت الحياة إلى روح الجهاد والمقاومة في فلسطين.
تحيي المقاومة الفلسطينية وكل أحرار وشرفاء العالم اليوم، الذكرى الـ 21 لاستشهاد القائد يحيى عياش "المهندس رقم 1" في كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذي حفر اسمه في ذاكرة الفلسطينيين بما بذله من جهود جبارة وما أحدثه من نقلة نوعية في المقاومة الفلسطينية، فاحتل مكاناً بارزا وأصبح ظاهرةً ورمزًا من رموز القضية وتاريخها المعاصر .

نَشأة القَائِد

يحيى عبد اللطيف عياش، (1966- 1996)، وُلد لأسرة فلسطينية بسيطة، زرعت في نفسه الإيمان والشجاعة، حفظ القرآن الكريم في السادسة من عمره، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في قرية رافات، قرب مدينة سلفيت، شمالي الضفة الغربية المحتلة.
ثم التحق يحيى بجامعة بيرزيت في الضفة الغربية لدراسة الهندسة الكهربائية، وكان من أنشط الشباب في كلية الهندسة ضمن إطار الكتلة الإسلامية وشارك إخوانه في كافة المواقع.
تخرج من الجامعة عام 1991م بتفوق، حاول بعد تخرجه السفر إلى الأردن لإتمام دراسته العليا، ورفض الاحتلال طلبه، وعلق على ذلك "يعكوف بيرس" رئيس المخابرات حينها قائلاً: "لو كنا نعلم أن المهندس سيفعل ما فعل لأعطيناه تصريحًا بالإضافة إلى مليون دولار".
وتزوج من ابنة خالته بتاريخ 9 أيلول/سبتمبر، 1992م، ورزق منها طفله الأول براء في 1 كانون الثاني (يناير) 1993م وكان حينها مطاردا، وقبل استشهاده بيومين فقط رزق بابنه الثاني عبد اللطيف تيمنا باسم والده.

مِشوَاره الجِهَادِي

إنضم المهندس مبكراً للحركة الإسلامية في فلسطين حتى أعلن تأسيس حركة حماس – 1987 م - القوة الضاربة لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين.
وقد بدأ مشوار يحيى عياش الجهادي عندما اكتشفت السّلطات الصّهيونيّة سيارةً مفخخة في منطقة رامات أفعال في تل الربيع المحتلة، وقد أشارت أصابع الاتهام إلى المهندس كأحد مدبري العملية، ومنذ ذلك الوقت أصبح المهندس مطلوبًا للاحتلال.
وبعد مجزرة الحرم الإبراهيمي الشّريف في الخليل عام 1994 عزم المهندس على التخطيط لتنفيذ عمليات استشهادية في قلب الكيان الصّهيوني، وكان أولها عملية العفولة التي قام بها المجاهد رائد زكارنة وأودت بحياة ما لا يقل عن ثمانية صهاينة وجرح العشرات، ثم عملية الخضيرة التي نفذها عمار عمارنة، وقتل فيها سبعة صهاينة، وجرح العشرات.
تولى يحيى عياش قيادة الجناح العسكري في كتائب الشهيد عز الدين القسام للضفة  وقطاع غزة، وقام بالتخطيط المباشر والمشاركة أحياناً بعمليات عسكرية، أسر جنود صهاينة، سيارات ملغومة، عبوات ناسفة، عمليات استشهادية.
تركز نشاط القائد في مجال تركيب العبوات الناسفة من مواد أولية بسيطة ومواد متاحة ومتوفرة بكل سهولة في الأراضي الفلسطينية.
ويعتبر العياش أول من أدخل إلى ساحة الصراع الصهيوني الفلسطيني سلاح (الاستشهادي)، ذلك السلاح الذي شكل أعقد المشاكل الأمنية التي واجهتها المؤسسة العسكرية والأمنية الصهيونية منذ قيام كيان الاحتلال على أرض فلسطين.
تنقل عياش بين الضفة وغزة، وحاول أن ينشئ جهازاً عسكرياً قوياً تتحقق فيه اللامركزية، بحيث لا يرتبط العمل العسكري بشخص واحد يتوقف باستشهاده أو اعتقاله، كما عمل على إنشاء خلايا عسكرية متفرقة وغير معروفة لبعضها البعض.

المطلوب الأول

اعتبر القائد مسؤولاً وقتها عن سلسلة "العمليات الاستشهادية"، مما جعله على رأس المطلوبين للصهاينة، الذين سخَروا لاغتياله مئات من العملاء والمخبرين، ولكنه أفلح طوال سنوات المطاردة في الاختفاء عن أعينهم.
فقد كان المهندس خلال سنوات  المطاردة العلقم لبني صهيون، حيث عُرِفَ الشهيد بخفة حركته وسرعة بديهته وخبرته العسكرية التي أذهلت القَادة العسكرِيين الصهاينة، وجعلتهم يعدونه أَخطر مطاردي الضفة الغَربِية والمطلوب رقم 1 لديهم، وقد وصفوه بكثير من الألقاب (الثعلب، العبقري، الرجل ذا الألف وجه، الأستاذ، المهندس، العقل المدبر، العبقري، الفذ، صقر الكتائب،...) ، فقد كانوا معجبين إعجابًا شديدًا بعدوهم الأول كما كانوا يصفوه.
وقد بلغ الهوس الصهيوني  ذروته حين قال (رابين) : "أخشى أن يكون جالساً بيننا في الكنيست "، هذا الهوس لم يطل رابين فحسب بل غدا كابوساً يتسلل إلى قلوب الصهاينة.
فكانت الجرأة التي امتلكها يحيى عياش جعلت منه بطلاً يتغنى بِه الفَلسطينيون، في حين غَدا اسمه مادة شبه دائمة في الإعلام الصهيوني، ليتصدر الصفحات الأول تحت عنوان "اعرف عدوك رقم 1 .. يحيى عيَّاش" و تحتها صور مختلفة، وأصبح الشغل الشاغل لقادة الاحتلال من سياسيين وعسكريين.

وَارتَقى القَائِد

أَيقَن الاحتلال أنّ بقَاء العياش على قيد الحياة يشكل خطورة لهم، ففي 5 يناير عام 1996، وبعد أشهر ممتلئة بالجهاد والمقَاومة والإثخان بِالقوات الصهيونِية، كان الموعد مع حور الجنة التي كانت تتحرق شوقاً لفارسها الجدِيد.
اغتيل القائد في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وذلك باستخدام عبوة ناسفة زرعت في هاتف نقال كان يستخدمه أحياناً، ليمضي المهندس يحيى عياش، بعدما أَدى الأَمانة، ليخرج في جنازته نحو نصف مليون فلسطيني في قطاع غزة وحده.
وتواصلت مسيرة الجهاد حتى غدا القَسام يفخر بِجيش من المهندسين القَساميين، الذين لا تحيد بوصلتهم عن تحرير فلسطين.
فقد قالها يحيى عياش للصهاينة: "لا تنزعجوا فلست وحدي مهندس التفجيرات، فهناك عدد كبير قد أصبح كذلك، وسيقضون مضاجع اليهود وأعوانهم بعون الله"، فكان لعياش ما أراد؛ حيث أصبح الجناح العسكري لحركة حماس بعد اغتيال عياش أشد قوةً وأكثر تماسكًا.

أبرز العمليات التي قامت بها كتائب القسام بتخطيطٍ من المهندس يحيى عياش:
- نيسان 1993: فجَّر الاستشهادي القسامي ساهر حمد الله تمام النابلسي (22 عاماً) من الجبل الشمالي بمدينة نابلس، سيارته المفخخة داخل مقهى «فيلج إن» الذي يرتاده الجنود الصهاينة في مغتصبة «ميحولا» القريبة من مدينة بيسان فقتل 2 وأصيب 8 آخرين وهي أول عملية استشهادية.
- نيسان 1994: الشهيد رائد زكارنة يفجِّر سيارةً مفخخةً قرب حافلة صهيونية في مدينة العفولة؛ مما أدى إلى مقتل ثمانية، وجرح ما لا يقل عن ثلاثين، وقالت حماس: إن الهجوم هو ردها الأول على مذبحة المصلين في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل.
- نيسان 1994: مقاتل من حركة حماس هو الشهيد عمار عمارنة يفجِّر شحنةً ناسفةً ثبتها على جسمه داخل حافلة في مدينة الخضيرة داخل الأراضي المحتلة عام 48؛ مما أدى إلى مقتل 5 وجرح العشرات.
- تشرين أول 1994: الشهيد صالح نزال- وهو مقاتل في كتائب القسام- يفجِّر نفسه داخل حافلة ركاب في شارع "ديزنغوف" في مدينة تل الربيع "تل أبيب"؛ مما أدى إلى مقتل 22، وجرح ما لا يقل عن 40 آخرين.
- كانون أول 1994: الشهيد أسامة راضي- وهو شرطي فلسطيني وعضو سري في مجموعات القسام- يفجِّر نفسه قرب حافلة تقل جنودًا في سلاح الجو الصهيوني- في القدس ويجرح 13 جنديًّا.
- أبريل 1995م: حركتا حماس والجهاد الإسلامي تنفذان هجومين ضد مغتصبين في قطاع غزة؛ وهو ما أدى إلى مقتل 7 مغتصبين ردًّا على ما قالت حماس عنها في حينه، "جريمة الاستخبارات الصهيونية في تفجير منزل في حي الشيخ رضوان في غزة، أدى إلى استشهاد نحو خمسة فلسطينيين، وبينهم الشهيد "كمال كحيل" أحد قادة مجموعات القسام ومساعد له".
- كانون ثان 1995: مقاتلان فلسطينيان يفجِّران نفسيهما في محطة للعسكريين في منطقة بيت ليد قرب نتانيا؛ مما أدى إلى مقتل 23 جنديًّا، وجرح أربعين آخرين، في هجوم وُصف بأنه الأقوى من نوعه، وقالت المصادر العسكرية الصهيونية في حينه: إن التحقيقات تشير إلى وجود بصمات المهندس في تركيب العبوات الناسفة.
- تموز 1995: مقاتل من مجموعات تلاميذ المهندس يحيى عياش، التابعة لكتائب عز الدين القسام يفجِّر شحنةً ناسفةً ثبتها على جسمه داخل حافلة ركاب صهيونية في "رامات غان" بالقرب من "تل أبيب"؛ مما أدى إلى مصرع 6 وجرح 33 آخرين.
- آب 1995: هجوم فدائي آخر استهدف حافلةً صهيونية للركاب في حي رامات أشكول في مدينة القدس المحتلة؛ مما أسفر عن مقتل 5، وإصابة أكثر من 100 آخرين بجروح، وقد أعلن تلاميذ المهندس يحيى عياش مسئوليتهم عن الهجوم.
- أغسطس 1995: هجوم فدائي آخر، استهدف حافلةً للركاب في حي رامات أشكول في مدينة القدس المحتلة؛ وهو ما أسفر عن مقتل 5، وإصابة العشرات بجروح، وقد أعلن تلاميذ المهندس يحيى عياش مسئوليتهم عن الهجوم.
ووفق ما أكدته المصادر الصهيونية؛ فإن مجموع ما قُتل بيد "المهندس" وتلاميذه ستة وسبعون صهيونيا، وجرح ما يزيد عن أربعمائة آخرين، موضحة بأن خطورة عياش لم تكن فقط في عدد القتلى الصهاينة فحسب، بل في عدد التلاميذ الذين دربهم وخلفهم وراءه.

كان شهر فبراير من عام 1996 الشرارة الأولى لعمليات (الثأر المقدس) والتي كانت من تخطيط الأسير القسامي القائد حسن سلامة، وجاءت رداً على اغتيال المهندس "يحيى عياش"، والتي أسفرت عن قتل أكثر من 46 صهيونياً وجرح نحو 100 آخرين.
عملية القدس
بتاريخ 25/2/1996م وضمن (عمليات الثأر المقدس لاغتيال المهندس يحيى عياش-1) فجَّر الاستشهادي القسامي مجدي محمد محمود أبو وردة (19) عاماً من مخيم الفوار بمدينة الخليل نفسه داخل حافلة صهيونية تابعة لشركة "ايجد" تعمل على خط رقم (18) المؤدي لمقر القيادة العامة لكل من الشرطة الصهيونية وجهاز المخابرات العامة (الشاباك) داخل الأراضي المحتلة عام 1948م.
وقد أدت العملية حسب اعترافات العدو عن مقتل (24) صهيونياً بينهم (13) جندياً وعدداً من ضباط وكوادر الشاباك الذين كانوا في طريقهم إلى مقر عملهم بالإضافة إلى إصابة أكثر من (50) صهيونياً بجروح وحروق مختلفة وإعاقات دائمة .
وقال العدو الصهيوني حينها أن من بين المصابين ثلاثة من مواطني الولايات المتحدة, وجميعهم لقوا حتفهم لاحقا متأثرين بجراحهم.
عملية عسقلان
وفي نفس اليوم الذي وقعت فيه عملية الاستشهادي القسامي أبو وردة وبعد 30 دقيقة فجر الاستشهادي القسامي إبراهيم أحمد حسن السراحنة (25) عاماً من مخيم الفوار بمدينة الخليل جسده الطاهر في حافلة صهيونية عند مفترق الطرق في مدينة عسقلان المحتلة .
وقالت إذاعة العدو الصهيوني أن الاستشهادي صعد إلى الحافلة في عسقلان متنكرا بزي الجيش الصهيوني فقتل ثلاثة جنود من وأصاب أكثر من 30 آخرين حسب اعترافات العدو .
وقد جاءت عملية الاستشهادي السراحنة ضمن (عمليات الثأر المقدس لاغتيال المهندس يحيى عياش-2) .
عملية القدس الثانية
وبعد أسبوع من وقوع العمليتين فجر الاستشهادي رائد عبد الكريم الشغنوبي نفسه في الثالث من مارس عام 1996 في الحافلة رقم 18 في مدينة القدس المحتلة، وأسفر الانفجار عن تدمير الحافلة وتطاير حطامها في دائرة قطرها خمسين متراً تقريباً.
وأعلن المتحدث الرسمي باسم الشرطة العسكرية الصهيونية عن مقتل 19 صهيونياً بينهم 3 جنود وجرح 10 آخرين كانت جروح 7 منهم بالغة الخطورة .
وقد جاءت عملية الاستشهادي الشغنوبي ضمن (عمليات الثأر المقدس لاغتيال المهندس يحيى عياش-3) .

رغم مرور 21 عاماً على رحيل المهندس الشهيد القائد يحيى عياش؛ إلا أن ذكراه الطيبة وعطاءه وروحه ما زالت تحلق في سماء فلسطين المحتلة؛ وهو ما يؤرق سلطات الاحتلال؛ وأجهزة أمن السلطة التي اعتقلت الليلة الماضية نجله براء.
وتحيي المقاومة الفلسطينية وكل أحرار وشرفاء العالم اليوم، الذكرى الـ 21 لاستشهاد المهندس يحيى عياش؛ الذي استشهد بتاريخ (5-1- 1996).
وفي كل عام تتزين غزة والضفة وخاصة جامعة بير زيت التي تخرج منها القائد الشهيد بصوره.

ذكرى لن تموت

يقول الطالب حسن أحمد من جامعة بير زيت: "يحيى عياش ليس مجرد قائد أو مهندس رحل؛ ولكنه شكل مدرسة ورمزا للمقاومة الفلسطينية الواعية المتطورة المخلصة لشعبها".
وأضاف: "عياش شكل نموذجا حيا وقويا في مقارعة الاحتلال، ويستحق منا في ذكراه أكثر من الصور والبيانات والخطب، فله منا كل التقدير والاحترام، والرحمة له ولكل شهدائنا الأبرار".
ويقول المواطن محمود طه من بلدة رافات غرب سلفيت مسقط رأس الشهيد: إن ذكرى العياش الـ19 يجب أن يكرم فيها؛ وتكرم عائلته، وكل من ضحى واستشهد لأجل الوطن؛ لا أن تلاحق عائلة الشهيد العياش بهذا الشكل المعيب.
بدوره، يقول الأسير المحرر بلال  ماهر من نابلس، إن الأسرى يحتفلون كل عام بذكرى استشهاد المهندس، وتدرس طرق عمل الشهيد السرية والعسكرية، وتعقد حولها الجلسات في السجون، خاصة لأسرى حركة حماس؛ وهو ما يرفع من معنوياتهم ويشد من أزرهم.

مدرسة المقاومة

وتتفاخر الطالبة زين جهاد من جامعة النجاح في مدينة نابلس بالشهيد العياش؛ قائلة: "في ذكرى الشهيد القائد يحيى عياش نقول، إن جسده رحل دون أن ترحل روحه الطاهرة من بيننا".
وأردفت: "مدرسة عياش في المقاومة هي من أوصلت المقاومة في غزة العزة إلى أن تصمد أمام خامس قوة في العالم، وأن تصمد أمام القصف البري والجوي والبحري طيلة 51 يوما، دون أن ترفع راية بيضاء".
وأضافت: "إن دروس العياش تعلمت منها المقاومة في غزة بأن تكون نتيجة كل حرب عدوانية سواء في العصف المأكول وما سيأتي بعدها؛ أننا ننتصر أو نستشهد ونموت".
ويجمع كل من رافقوا الشهيد العياش أنه كان يعرف أنه سينال الشهادة،  وكان همّه الأكبر بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي هو تأديب الاحتلال، وكان له ذلك بعد أن نفذ عدة عمليات بطولية.
وكان يردد دوما بأن الظلم لا يدوم، وأنَّ القوي لن يبقى قويا، وأن طريق التحرير ليس محفوفا بالورود والرياحين، بل بالدماء والتضحيات الجسام.

الحفر في الصخر

ويروي أحد رفاق الشهيد يحيى عياش، والذي أبعد للخارج، أن الشهيد عياش في إحدى المرات حفر كهفا بيديه من التراب، ونام فيه دون أن يشعر به حتى من يمر قرب الكهف، حيث كان دائما يحافظ على السرية في عمله المقاوم.
وبحسب ما كانت تقول الصحافة الصهيونية، فإنَّ من أكثر ما كان يُدخل الرعب والخوف في قلوبِ الصهاينة هو العبقرية الفذَّة التي تمتع بها "المهندس"؛ حيث إنه نقل المعركة معهم من شوارع الضفة وغزة إلى داخل الكيان وشوارع العفولة والخضيرة وديزنغوف، وحوَّلها من الحجر إلى القنبلة في زمنٍ قصير.
ويستذكر القائد زاهر جبارين، المحرر في صفقة وفاء الأحرار، الصفحات البيضاء مع الشهيد يحيى عياش؛ لافتا إلى أنّ عياش كان يجري تجاربه الأولى على المتفجرات في كهوف ومغار، لصعوبة إجرائها في أماكن أخرى.
ويصف جبارين العياش بالقول: كان الأكثر صمتا وتفكيرا، وغيَّر واقعًا صعبًا؛ وكان الكيان بكل جبروته وأجهزته الأمنية تبحث عنه، لكنه كان مرتاحا وغير مرتبك، ومتوكلا على الله بشكل أدهش كل من عرفه وكل من آواه، وكان يخطط للعمليات بشكل دقيق وهادئ.

بين أزقة قرية رافات وفي السادس من آذار/مارس، سنة 1966م ولد يحيى عبد اللطيف عياش، وفي كنف بيت متدين عاش طفولة هادئة إذ كان مثالا للطفل المؤدب الهادئ حتى أن أحد أعمامه يقول: "كان هادئا أكثر من اللزوم ولا يحب الاختلاط كثيرا بغيره من الأطفال حتى أنني كنت أعده انطوائيا بعض الشيء"
كبر الطفل يحيى ودخل المدرسة الابتدائية في قريته عند بلوغه السادسة من عمره وبرز بذكائه الذي لفت إليه أنظار معلميه إذ أنه لم يكن يكتفي بحفظ الدروس المقررة للصف الأول بل كان يحفظ دروس الصف الثاني أيضا.
حصل يحيى على شهادة الدراسة الثانوية من مدرسة بديا الثانوية عام 1984م وكان معدله 92,8% والتحق بجامعة بيرزيت لدراسة الهندسة الكهربائية وكان من أنشط الشباب في كلية الهندسة ضمن إطار الكتلة الإسلامية وشارك إخوانه في كافة المواقع ومراحل الصراع والاحتكاكات المباشرة سواء مع سلطات الاحتلال أو مع الكتل الطلابية المنافسة.
تخرج من الجامعة عام 1991م بتفوق وتزوج من ابنة خالته بتاريخ 9 أيلول/سبتمبر، 1992م ورزق منها طفله الأول براء في 1 كانون الثاني (يناير) 1993م وكان حينها مطاردا، وقبل استشهاده بيومين فقط رزق بابنه الثاني عبد اللطيف تيمنا باسم والده غير أن العائلة أعدت يحيى إلى البيت حين أطلقت على الطفل عبد اللطيف اسم يحيى.

شيخ الإخوان في رافات

لبى يحيى عياش دعوة الإخوان المسلمين وبايع الجماعة في بداية العام 1985م وأصبح جنديا مطيعا وعضوا عاديا بإحدى أسر الإخوان المسلمين في مدينة رام الله وعمل بجد ونشاط وقام بكافة التكاليف وأعباء الدعوة الإسلامية سواء داخل الجامعة أو في مدينة رام الله أو قريته رافات ووظف المهندس سيارة والده التي اشتراها في خدمة الحركة الإسلامية حين دأب على السفر إلى رافات وقام بإرساء الأساسات وشكل أنوية لمجموعات من الشباب المسلم الملتزم. وحينما انفتح الأفق على حركة المقاومة الإسلامية حماس كانت هذه المجموعات في طليعة السواعد الرامية خلال سنوات الانتفاضة المباركة الأولى ونظرا للدور الريادي الذي قام به وحكمته وأدبه وأخلاقه فقد اعتبرته الفصائل الفلسطينية (شيخ الإخوان في رافات) ترجع إليه في كافة الأمور التي تتعلق بالفعاليات أو الإشكاليات خلال الأعوام (1988-1992).

ابن القسام

ترجع بدايات المهندس مع العمل العسكري إلى أيام الانتفاضة الأولى وعلى وجه التحديد عامي 1990-1991م إذ توصل إلى مخرج لمشكلة شح الإمكانات المتوفرة وندرة المواد المتفجرة وذلك بتصنيع هذه المواد من المواد الكيماوية الأولية التي تتوفر بكثرة في الصيدليات ومحلات بيع الأدوية والمستحضرات الطبية فكانت العملية الأولى بتجهيز السيارة المفخخة في رامات إفعال وبدأت إثر ذلك المطاردة المتبادلة بين يحيى عياش والاحتلال الصهيوني وأجهزته الأمنية والعسكرية.
إذ قدر الله سبحانه وتعالى أن يكتشف العدو السيارة المفخخة في رامات إفعال بطريق الصدفة، وبعد تحقيق شديد وقاس مع المجاهدين الذين اعتقلا إثر العثور على السيارة المفخخة طبعت الشاباك اسم يحيى عبد اللطيف عياش في قائمة المطلوبين لديها للمرة الأولى.
يعتبر يوم الأحد 25 نيسان أبريل 1993م بداية المطاردة الرسمية ليحيى عياش ففي ذلك التاريخ غادر المهندس منزله ملتحقا برفاق الجهاد والمقاومة .
وخلال ثلاث سنوات كان الشهد لفلسطين والعلقم لبني صهيون وخاب ظن الاحتلال وأجهزته القمعية التي حصدت الفشل في مخططاتها وتخبطت في رحلة البحث عن المهندس .

حين يكتب تاريخ فلسطين –الشعب والقضية- بأيد منصفة وأمينة ستدرك الأجيال المتعاقبة أن يحيى عياش أو (المهندس) كما عرف في حياته يحتل مكاناً بارزاً بعد أن سطر ملحمة تاريخية خالدة من أجل دينه ووطنه وقتل في سبيل الله ومن أجل فلسطين فوق أرضية صلبة من الفهم العميق بطبيعة القضية الفلسطينية. فقد أدرك يحيى معادلة التعامل مع العدو منذ أن لمست يداه أول سيارة مفخخة أعدها لاستنهاض الشعب الفلسطيني بكافة قطاعاته ومختلف تياراته نحو مقاومة شاملة للاحتلال الذي لا يفهم إلا لغة المقاومة ومفردات القوة، ولذلك أعلن زعماؤه وقادته يأسهم واعترفوا قائلين: "ماذا نفعل لشاب يريد الموت".
"المهندس" هو عنوان الأسطورة الفلسطينية الحقيقية التي جددت الأمل وقتلت اليأس وأعادت الحياة إلى روح الجهاد والمقاومة في فلسطين. بما كتبته من صفحات مشرقة في حكاية الصمود والجهاد البطولي في ظل أسوأ الظروف.
وقصة المهندس معروفة ومحفوظة بمداد الحب والإكبار في قلوب معاصريه، واسمه تردد بشكل دائم في كل حارة وبيت وعلى كل شفة ولسان في أرجاء المعمورة وذكره مئات الملايين من العرب والمسلمين عندما أظلمت الدنيا واشتدت الأزمات وفاضت على وجوههم مظاهر الألم والقهر والإحباط.
لقد عرف يحيى عايش موطن ضعف عدوه، ومكمن قوة شعبه، فاستغل معرفته لإعادة جزء من التوازن المفقود للقوى بين شعبه الأعزل وعدوه المدجج بأحدث آلة عسكرية، عن طريق نقل الصراع من ساحة المادة الضيقة إلى ميدان المعنويات الأرحب فأصبح الصراع بين عدو مكبل بالخوف من الموت وشعب يعشق الموت في سبيل الله لنيل حريته. ولأن للبطولة طعم آخر في اللحظات الحاسمة فإن يحيى عياش يكاد يتفرد بين أبطال الشعب الفلسطيني فقد جاء في ذروة الانهيار ليعلن أن الشعب الذي تحفر القبور لدفن قضيته ما زال مفعما بالحياة، وأن مقولات اليأس الرسمية ليست أكثر من رماد يواري الجمر المتقد في أتون الشعب.
في عمره القصير صنع يحيى عياش الكثير فقد أدرك منذ البداية أنه يسابق الزمن حين قرر العمل على نسف جدار الأمن الشاهق الذي أقامه الصهاينة مستغلين ترسانتهم العسكرية وخبراتهم المتراكمة في مواجهة شعب أعزل محاصر، وكان مبادرا حيث لا فائض من الوقت لدى شعب يعيش واحدة من أكثر مراحل تاريخه المعاصر حرجا. فعاش هذا العملاق لشعبه ودينه ومن أجلهما، ورحل في وقت كان يتصارع فيه البغاث على فتات يظنون أنه مغانم حرب وضعت أوزارها.
إن هذه الشخصية المتميزة في عطائها وقدرتها على المبادرة والتجديد تستحق أن نقف عندها وقفة متأملة فاحصة نستطلع حياتها ومكامن العظمة في شخصيتها ونقوم تجربتها الرائدة ونستخلص العبر من مسيرة عطائها الحافلة بالتضحيات في سبيل الرسالة التي آمنت بها ونذرت نفسها وحياتها لتحقيقها.
ولئن جسد يحيى عياش حالة الشاب القروي البسيط الذي كان من الممكن أن يكون لغيره من الآلاف الذين يحملون الشهادة الجامعية مهندسا عاديا يعمل في إحدى الشركات أو الورش ويتقاضى راتبا مرتفعا في إحدى الدول، إلا أن بطلنا تغاضى عن هذا كله وقفز فوق كل الحواجز وتمسك بإسلامه وقضيته فكانت المقاومة والجهاد حبه الكبير الذي أعطاه عصارة أفكاره وعاطفته مجسدا في الوقت نفسه القدرة على الفعل الحقيقي بعيدا عن الأضواء.
لم يكن المهندس يبحث عن دور تاريخي بقدر ما كان الدور التاريخي يبحث عن قائد، ولم يكن نجوميا يبحث عن الشهرة بقدر ما كانت الجماهير تائقة إلى بطل تلتف حوله يعيد للأيام بهجتها وللحياة طعمها وللإسلام انتصاراته وشموخه. ولأن نماذج القادة الذين تنتجهم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" لا يركبون موج الصدفة ولا يتسلقون حبال العشوائية، أو يركبون أحضان المستجدات بل هم دائما على موعد دقيق مع أقدارهم وعلى أهبة الاستعداد لأداء دورهم في حيز الفعل والوجود ثم الرحيل بشموخ مع إشراقة الشمس.

جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2017