القسام ـ خاص:
من قلب مخيم جنين الصمود والتحدي والفداء والعطاء، هذا المخيم الذي قدم درسا لكل العالم درسا في المقاومة والصمود نكتب هذه الكلمات الممزوجة بالعزة والألم ونشوة المقاومة والانتصار .... إنها ساعات صعبة تتساقط فيها قذائف العدو المجرم على رؤوس الناس لتدمر كل شيء ولتنشر الرعب والموت، والطائرات تغطي السماء،ودبابات ومدرعات على الأرض تحيط بمخيم جنين لكسر عزيمته وعزته لكن أهل هذا المخيم الذين يرفضون الذل والاستسلام فضلوا الشهادة على الخنوع ورفعوا راية الجهاد.
يالها من مشاهد تثير في النفس والذاكرة تاريخ الأمة وأمجادها وانتصارات بدر وحطين وعين جالوت فها هي صيحات جند العدو يولولون يرتجفون ويختبئون في البيوت والمجاهدون يطاردونهم بين كر وفر.
ميلاد قائد
ولد شهيدنا في 1/1/1958، ونشأ في بيت فاضل وعائلة عريقة ليدرس في مدارس جنين ويرى ويعايش نكبة فلسطين ومُهجَّريها من فِلسطينيِّ عام 48 وضياع فلسطين. أنهى الدراسة الثانوية في هذه المدينة ليدخل إلى جامعة من نوع آخر حيث تم اعتقاله في 18/4/1978 وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات بتهمة مقاومة الاحتلال بعد مهاجمة موقع صهيوني في مدينة جنين ليمضي هذه السنوات العشر داعيا إلى الله تعالى بين إخوانه الأسرى ناصحا لهم بأهمية تبنى المشروع الإسلامي ليكون من أوائل مؤسسي الجماعة الإسلامية في داخل سجون ومعتقلات الاحتلال الصهيوني.
وكان لسان حاله يقول- ما جاء على لسان سيدنا يوسف عليه السلام-: "يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار" ومرت السنون ويخرج المجاهد من الأسر في العام 1988 وكانت الانتفاضة قد بدأت. ليبدأ المجاهد في العمل ليعيش حياة كريمة في واقع صعب يعمل موظفا في لجنة أموال الزكاة ويشرف فيها على قسم الأيتام وكان يعطف عليهم ويرعاهم كأبنائه. حتى أنه عندما يرى عجوزا أظافرها طويلة يتقدم ويعمل على تقليمها.
حياته الأسرية
وقد تزوج من فتاه من قرية الزبابدة من آل تركمان لتضرب المثل في التضحية والصبر والثبات. ورزقهما الله بوليد أسمياه صهيب. ولكن العدو الصهيوني لا يترك مجالا للحياة ويستمر بملاحقة الشيخ والتعرض له. ففي إحدى المرات في العام 1989 اعترضت دورية عسكرية المجاهد نصر وزوجته وطفله الذي لم يتجاوز ثلاثة شهور وأوقفوا سيارتهم وقاموا بإنزاله واعتقاله، وتركوا زوجته وطفله لوحدهما ليمضي عشرة أيام في الاعتقال دون أن يعرف لماذا تم اعتقاله واختطافه ولكن لسان حاله يقول :"حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله......
رحلته مع الإبعاد والسجن
ويستمر العدوان على هذا الشعب ويقوم العدو الغاصب بملاحقة أبناء هذا الشعب المجاهد ولم يسلم منه لا البشر ولا الشجر ولا حتى الحيوان. وفي العام 1992 قام الاحتلال بحملة اعتقالات واسعة على إثر عملية قتل اثنين من جنوده في حيفا. وبعد تلك الحادثة تبدأ عملية الإبعاد إلى لبنان حيث مرج الزهور. وفي هذه الحملة يعتقل الشيخ المجاهد لمدة ثلاثة أيام ويفرج عنه ليعود إلى أهله الذين ذاقوا مرارة الاعتقال والإرهاب. وليبدأ بعدها مسلسل طويل وليل معتم في داخل سجون الإرهاب. ولكن مهما طال الليل فلا بد للفجر أن ينجلي وتشرق شمس الصباح، وكما قال سبحانه وتعالى: "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا".
وفي العام 1994 حدثت مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل وأعقبها عمليات الرد الفلسطيني على هذه المجزرة البشعة وقامت قوات الإرهاب الصهيوني بحملة اعتقالات واسعة حيث تم اعتقال المجاهد نصر جرار ثلاثة أشهر إداري وليبدأ بعدها مسلسل التمديد إلى ثلاثة أخرى، ليتم إعادة المجاهد نصر إلى أقبية التحقيق والقمع لمدة 98 يوما ومن ثم يعود إلى الاعتقال الإداري ليقضي أربع سنوات متسائلاً ما هو الذنب الذي اقترفته حتى أستحق كل هذا الشقاء والعذاب؟. ولكن سبحان الله " إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين" "وقل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا". ويفرج عنه في العام 1998 ليجد اتفاقات سلام هزيلة ويجد السلطة .... الفلسطينية قد حلت مكان الاحتلال ويستبشر خيرا أبو صهيب بهذه السلطة ويرى أنه من الواجب على كل فرد أن ينمي الخير فيها ويخفف الشر والفساد قدر المستطاع ولكن هل يصلح العطار ما قد أفسده الدهر؟.
قاوم الاحتلال و هو مقعد حتّى نال الشهادة
- ينحدر أصل الشيخ نصر خالد جرار من منطقة وادي برقين أحد ضواحي جنين ، و هو من مواليد عام 1958 . تربى في عائلة مثقفة متعلمة ملتزمة ، كان في شبابه متّقدا قلبه بحب وطنه الذي تمنى كثيرا أن لا يلمح به مستعمر ، و الذي قام في عام 77 بإلقاء قنبلة مولوتوف على محطة باصات "إيجد" الصهيونية في منطقة جنين .
- بدأت رحلة الشيخ المجاهد القسامي نصر مع السجن مبكرا و كانت في عام 1978، و في سجن جنين المركزي . و كما ورد في لائحة اتهامه في المحكمة الصهيونية على إقامة خلية مسلحة مجاهدة إسلامية الدوافع و التطلعات – و كان ذلك قبل انطلاق العمل المسلح من الحركات الإسلامية على شكله الحالي و من حركة حماس عام 87 ، إلا أنه اعتقل من قبل أجهزة الأمن الصهيونية في عام 78 بتهمة إلقاء قنبلة مولوتوف على شركة الباصات الصهيونية و محاولة تنظيم خلية إسلامية مسلحة و تنظيم مظاهرات ضد الاحتلال و حكمت عليه المحكمة العسكرية الصهيونية بالسجن لمدة عشر سنوات .
- ورغم صغر سنه على السجن في تلك الفترة الذي لم يتجاوز العشرين عاما إلا أنه صاحب فضل على الكثير من السجناء و على العمل الدعوي داخل السجن ، فقد كان هو و ثلاثة آخرون من السجناء من أوائل المؤسسين للجماعة الإسلامية في السجن باسم- الاتجاه الإسلامي - لخلوه في تلك الفترة المبكرة من مظلة تظلل أحباب الاتجاه الإسلامي و لعدم قدرته على الانطواء تحت الأفكار العلمانية و اليسارية؛ فقد سعى مع العديد من الشباب لتأسيس الجماعة الإسلامية حيث لاقى في سبيل ذلك الأذى والتهديد من أصحاب الأفكار الأخرى .
- في عام 1988 خرج نصر جرار من سجنه يبلغ من العمر ثلاثين عاما ممتلئا حماسا متقدا للعمل الدعوي ، و كانت لجنة أموال الزكاة التي تعتني بالفقراء في بداية تأسيسها فانضم نصر إلى طاقمها التأسيسي و الذي كان عضواً فاعلاً فيها.
- و في عام 1994 كانت رحلته الطويلة الثانية مع السجن حيث اعتقل و أودع في معتقل مجدّو لمدة أربع سنوات و نصف في الاعتقال الإداري بعد اتهامه بالوقوف خلف عملية الخضيرة التي نفّذها الاستشهادي رائد زكارنة ، إلا أنه لصلابته في أقبية التحقيق لم يثبت عليه شيء وكان في فترة من الفترات من أقدم المعتقلين الإداريين في السجون الصهيونية . و في 6/1/98 كان يوم الإفراج عنه بعد أن قضى مدة اعتقاله داخل السجن و عاد بعدها ليمارس عمله الاجتماعي .
- و في 1/1/2000 فشلت محاولة اغتياله بعد أن قامت قوات الاحتلال من جديد بتطويق منطقة سكناه في وادي برقين بحثا عنه حيث قامت أعداد كبيرة من القوات الخاصة الصهيونية بتطويق منزله إلا أن الله أعمى أبصارهم و استطاع الانسحاب من بين براثنهم بعد أن شعر بتحركاتهم .
- في 21/2 من نفس العام انفجرت به عبوة ناسفة في منطقة قريبة من بلدة قباطية على الشارع الالتفافي أثناء مهمة جهادية ، مما أدى إلى بتر يده اليمنى و ساقه اليسرى من الفخذ و بقى ملقى على الأرض تحت الشجر لمدة ساعتين قبل أن يحضر المواطنون ليقلّوه إلى المستشفى .
- استطاعت القوات الصهيونية بمساعدة عملائها الجبناء من اغتياله يوم الأربعاء الموافق 14/8/2002 في بلدة طوباس بعد أن طوّقت منزل المواطن محمد عبد الله أبو محسن ، و أطلقت أربع قذائف باتجاه المنزل الذي جرت اشتباكات عنيفة في محيطه بين أفراد من كتائب الشهيد عز الدين القسام و القوات الصهيونية ، إلا أنه و نتيجة الإلحاح الكبير و مطالبة الشيخ نصر أفراد الكتائب مغادرة المكان لعدم قدرته على الانسحاب معهم و حمله لكونه مقعدا ، و استطاع أفراد الكتائب الانسحاب من الموقع الذي تعرّض لقصف من الطائرات الصهيونية ما أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة منه قبل أن يتعرض للهدم عن طريق الجرافات الصهيونية ، ليرتقي الشيخ نصر شهيدا تحت الأنقاض .