القسام ـ خاص :
" لو جُمعت أناتُ والدي لطافت على الدنيا وغَطتها ، ولو جَمعنا ما عانى وَقاسى من ظلمٍ لافتديناهُ بكل ما لدينا من غالٍ ونفيس ، واللهِ يا والدي لو قرأ الناس ما كتبَ الزمان على جدران قلبك لأعفينا الكُتابُ من الكتابة عن الألم " ، بهذه الكلمات ابتدأت وصال ابنة العشرين ربيعا ابنه الأسير المحرر الشهيد زكريا داود عيسى ، فقبل أن يختم الاثنينُ ساعاته لتكبر مساجد بلدة الخضر معلنة استشهاد البطل ، ففي تمام الساعة العاشرة توقف الزمان وانقطعت الأنفاس معلنة حسن الخاتمة .
"غادرتنا وأنا لم أتجاوز من العمر أحد عشر عاما ، كنا نعد الأيام لحظة بلحظة إذانا بقدومك ، فتوشحت الخضر لونها الأخضر لتحطم العذابات القديمة ، وتنتهي مرحلة من الألم والمعاناة ، فأنت قمر يضيء ليل أيامنا ، رأيت فيك مصنعا للرجال يوم أن عز الرجال ، من المعاناة شربت ، ومضيت تتكيف مع الزمان الصعب ، وتتابع الفداء ، وقفت على بوابة سجن أو على باب محكمة قساة ترفع شعار الحرية ،درأت هموم الأسرى وأنت تشعل اليقين فيهم ، فإن دمعت دمعت بإبتسامة ، وها أنت ترحل رحيل الأبطال ، تشعل النار في قلوبنا ، فلم تكتحل عيوننا برؤياك.
يا أيها الشهم القسامي القوي بكل الصفات ، يا من لا تعرف الكلل والملل ، يا من نذرت حياتك لله ، فمضيت مقاتلا قساميا تضج مضاجع اليهود ، عزيزا على عدوك ذليلا على إخوانك ، بكتك فلسطين . "
ومن خلف قضبان الأسر ترقرقت الدموع ، الأسير س . م : " أبا أحمد إلى جنان الخلد مع الصديقين والشهداء ، لم نعرفك إلا على البلاء صابر ، والبسمة على محياك الطاهر ، تالله إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا حبيبنا لمحزونون ،إلى اللقاء إن شاء الله والدموع تملئ الجفون ،إلى اللقاء والقلب منكسر ،نبكيك حزنا فما يضمّد جرح قلوبنا ، حاولت أن أكتم أنفاسي ، فزادت عبراتي ، وزاد حزني لرجل المواقف والشدائد ، زاد حزني حزنا حينما تذكرت المواقف الصعبة التي عشناها ،حاولت أن أسلّي نفسي ، بموقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، عندما صدع للناس ، وقال لهم من كان يعبد محمد فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، ثم تلا عليهم (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144) آل عمران .
أمرت القلم أن يكتب ما يضمّد جرح قلوبنا على ، فتململ القلم ، وكأنه مصاب بما أصابني ، فارتعدت يدي ، فتوقفت قليلا ، فانهمرت دموعي على خدي . "
صح النبض وصح اللسان وصحت الجوارح واعتلى المقام ، فقيدنا أبو أحمد ثِـمار غَرسِــك يا بطلا يَـانـعـة ، أثابك اللهُ لم تَرحـل بلا إرث ولا باقية ، بل رحلت مكللا بتاج الوقار والعز العالية .