القسام – خاص:
لمَّا كان الجهاد في سبيل ، من أحب الأعمال إلى الله تعالى ، حيث تبذل المهج والأرواح في سبيل الله دفاعاً عن الدين وحفظاً للحريم وبيضة المسلمين ، لهذا كانت هذه الفريضة في حاجة لنفقة الأموال فضلاً عن الأرواح ، ولكي يتحقق ذلك فرض الله سبحانه للمجاهدين في سبيله سهماً من أسهم الزكاة ، قال تعالى : ﴿ ِإنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ 0
والراجح من أقوال العلماء في المراد بـ ( في سبيل الله ) الجهاد في سبيل الله تعالى ، وهذا أولى من الذهاب من المراد المعنى العام ( الفقراء والمساكين والمؤسسات والمساجد 00) ، لأن المعنى العام لا يصلح أن يراد هنا ، لأنه بهذا العموم يتسع لجهات كثيرة ، لا تحصر أصنافها فضلاً عن أشخاصها0
وهذا ينافي حصر المصارف في ثمانية ، كما هو ظاهر الآية ، وكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيه هو فجزأها ثمانية أجزاء 0 كما أن في سبيل الله بالمعنى العام يشمل جميع أصناف الزكاة الأخرى ، وهذا تكرار ، وكلام الله البليغ المعجز يجب أن ينزه عن التكرار بغير فائدة ، فلابد أن يراد به معنى خاص يميزه عن بقية المصارف ، وهذا ما فهمه المفسرون والفقهاء من قديم 0 وقالوا : إنه المراد عند الإطلاق ، ولهذا قال ابن الأثير : إنه صار لكثرة الاستعمال فيه كأنه مقصور عليه 0
ومما يؤيد ما قاله ابن الأثير : ما رواه الطبراني : أن الصحابة كانوا يوماً مع رسول الله ، فرأوا شاباً جلداً ، فقالوا : لو كان شبابه في سبيل ؟ يريدون نصرة الإسلام والجهاد في سبيله 0
ويمكن أن يشمل الإنفاق هنا كل أنواع الجهاد ، كالجهاد بالقلم ، والجهاد الفكري ، والاجتماعي ، والسياسي ، والاقتصادي والتربوي والعسكري 0
فكل هذه الأنواع من الجهاد تحتاج إلى الإمداد والتمويل 0 المهم أن تكون في سبيل الله أي نصرة الإسلام وإعلاء كلمته في الأرض ، فكل جهاد أريد به أن تكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله 0 أياً كان نوع هذا الجهاد وسلاحه 0
يقول الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى : ( وفي سبيل الله ) : " يعني وفي النفقة في نصرة دين الله وطريقته وشريعته التي شرعها الله لعباده ، بقتال أعدائه وذلك هو غزو الكفار " 0
ومما يجب التنبيه عليه هنا : أن بعض المسلمين يحسبون أن كل من حمل السلاح ممن ينتسبون بأسماء إسلامية يعتبر في سبيل الله أياً كانت وجهته وغايته ، وشعاره ورايته ، سواء خاض المعركة باسم الله أم باسم غيره من المخلوقين 0 وسواء كانت التي يقاتل تحتها إسلامية أم جاهلية ، فلا فرق عندهم بين الحرب الإسلامية والحرب القومية أو الوطنية أو الطبقية 0
والذي نؤكده أن الحرب إنما تكون ( في سبيل الله ) إذا ارتبطت بدوافع إسلامية وأهداف إسلامية 0 أعني أن تكون حرباً لنصرة الدين وإعلاء كلمته ، والدفاع عن دار الإسلام وكرامة الأمة وهذا الذي يميز الحرب الإسلامية عن غيرها 0
فإذا خلت الحرب من هذا العنصر الروحي فقد أصبحت حرباً دنيوية عادية ، ومن ثم لا يجوز أن يصرف فيها درهم واحد من مال الزكاة ، بزعم أنها في سبيل الله 0
إعداد فضيلة الداعية: يوسف فرحات