القسام – خاص:
وإنما يفترض الجهاد _بمعني القتال_عينا أو كفاية بجملة الشروط :
1_الاستطاعة البدنية ،فالأعمى والأعرج والمريض من أصحاب العاهات الجسمية العائقة:لا يجب عليهم الخروج ؛ لأنهم عاجزون معذورون ، قال تعالي في سورة الفتح :﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ 0
فهذه الآية نزلت في أصحاب الأعذار ، كما أن خروج هؤلاء لا يدفع عدواً ، وإنما يكون عبئاً علي المدافعين . وقال بعض الفقهاء: أما من يقدر علي الخروج دون الدفع ، فينبغي أن يخرج لتكثير السواد إرهاباً للعدو.
وأقول : إن الكثرة في عصرنا لم تعد لها قيمة كبيرة ، مع الأسلحة الحديثة الهائلة . والدول الحديثة في عصرنا تشترط لكل من يجند في جيشها حداً أدني من السلامة البدنية ، ومن سلامة الحواس، مثل السمع والبصر ، حتى يستطيع أن يقوم بأعباء القتال وتوابعه .
غير أن بعض الذين لا يقدرون علي القتال يستطيعون أن يقدموا خدمات نافعة كالإسعاف والتمريض والطبخ والتنظيف ونحوها . وهكذا كان يصنع النساء في غزوات الرسول _صلي الله عليه وسلم_ ، ومثل ذلك من ينتفع به في التحريض مثل : الخطباء والوعاظ ، أو التدبير مثل : بعض المحاربين القدماء من الشيوخ المجربين ، وان لم يقم بالقتال.
ونود أن ننبه هنا : أن كثيراً من الأسلحة الحديثة التي تدار الكترونيا ، قد لا تحتاج إلي لياقة بدنية كبيرة ، بل تحتاج إلي قوة عقلية وعلمية ، فقد ينفع هنا بعض المصابين بالعرج ونحوه من الآفات . وقد رأينا بعض المعوقين يتفوقون في بعض الرياضيات ، بفضل التدريب والإرادة .
كما أن الذي يعجز عن الجهاد ببدنه ، يلزمه أن يجاهد بماله أن كان ذا مال ، كما في الحديث الصحيح : (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ) ، وأن يجاهد كذلك بخبرته العلمية التكنولوجية والالكترونية وغيرها ، وربما أفادت هذه الجيش المسلم أكثر من القوي الجسمية .
2- القدرة علي استعمال السلاح والقتال به ، فمن لا يجد السلاح أو وجده ، ولكن لم يُدرَّب علي استعماله: لا يفترض عليه الخروج ، لأنه لا يدفع عن نفسه ولا عن غيره ، وضرره أكثر من نفعه . ولهذا يجب أن تتاح له فترة كافية للتدريب الذي يصير في هذه الحالة فرض عين أيضا ، ومثله توفير السلاح اللازم ، فان مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
3- القدرة علي الوصول إلي البلد المعتدى عليه ، بان يملك ركوبة توصله إلي البلد ، أو ثمن التذكرة بالبر أو البحر أو الجو ، أو وجد في المسلمين من يتكفل في إيصاله إلي ميدان القتال ، وهو ما يجب علي الأمة _بالتضامن _ أن توفره لكل مقاتل .
وعلي كل حال من كان له عذر منعه من الجهاد بنفسه : عليه واجب نحو المجاهدين ، وهو رعاية أسرهم وأهليهم ، فهذا أيضا نوع من الجهاد ، وفي الحديث : (من خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا ) .
4- ألا يوجد مانع معتبر يحول بينه وبين النهوض للدفاع ، كأن يكون مسجوناً ، أو لا يستغني عنه المسلمون في محل إقامته ، لمثل علاج مرضاهم ، أو حفظ أمنهم الداخلي ، أو إمامتهم في صلواتهم وتعليمهم دينهم ، أو تسيير مطاحنهم ومخابزهم ، وغير ذلك مما يلزم للمحافظة علي كيان الأمة ، ودوام إمداد المقاتلين بالغذاء والدواء والسلاح، ويؤمنهم علي من وراءهم ، ويعبر المعاصرون عن ذلك بتأمين الجبهة الداخلية وتقويتها .
ومن الموانع : قعود الناس عن القيام بواجب الدفاع وكذلك قعود السلطات المسئولة عنه أو منعها لمن يقوم بذلك .فالفرد معذور عند ذلك لأن الجهاد لا يقوم به إلا جماعة قادرة . واليد وحدها لا تصفق .
ومما يؤسف له أشد الأسف أن كثيراً من أبناء المسلمين يتحرقون شوقاً إلي الجهاد لتحرير المسجد الأقصى ومساندة إخوانهم في أرض الإسراء والمعراج ، ولكن ( دول الطوق ) ، كما يسمونها ، أو دول المواجهة ( الأردن ولبنان وسوريا ومصر ) ، كلها تمنع دخول أي مجاهد إلي أرض فلسطين ، وقد تطلق قواتها الرصاص إذا حاول التسلل للدخول ، ولا حول ولا قوة إلا بالله
قال ابن الهُمَام في ( الفتح) : " يجب ألا يأثم من عزم علي الخروج . وقعوده لعدم خروج الناس ، وتكاسلهم ، أو قعود السلطان أو منعه "
ولكن يجب تقيد رفع الإثم عمن افترض عليه القتال وقعد ؛ لما ذكرنا هنا من الأعذار بأمرين :
الأول : أن يصطحب نية الجهاد ، العزم عليه متي تهيأت الفرصة الملائمة . فقد قال _ صلي الله عليه وسلم _ ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) . بل هو بنيته الصادقة يشارك المجاهدين بالأجر ومثوبة الجهاد .
روي البخاري عن أنس أن النبي _ صلي الله عليه وسلم _ كان في غزاة (هي غزوة تبوك ) فقال :( إن أقواماً بالمدينة خلفنا ، ما سلكنا شعباً ، ولا وادياً ، إلا هم معنا فيه : حبسهم العذر " .
وقد رواه مسلم من حديث جابر بلفظ : ( حبسهم المرض ) ، قال الحافظ : " وكأنه محمول علي الأغلب " .
الثاني : ألا يرضي بالواقع ، ويستسلم له ، ويستيئس من المستقبل ، بل يجب أن يتسلح بالأمل ، والثقة بالله ، ويحرض المسلمين علي الجهاد ، محاولاً إزالة العقبات ، وتغيير الأوضاع الفاسدة ‘ إلي أوضاع يرضي عنها الإسلام ، متعاوناً في ذلك هو ومَن يُشبهُ حَاله حَاله من المسلمين ، و ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد يعضه بعضاً ) .وما يعجز عنه الفرد قد تقدر عليه الجماعة . و ( يد الله مع الجماعة ) .
وليس من الشروط أمن الطريق من القطاع واللصوص ونحوهم ، بل يخرجون إلي النفير ويقاتلون من يقف في طريقه أيضا حيث أمكنهم ذلك ، وإلا سقط الوجوب ؛ لأن الطاعة بحسب الطاقة .
إعداد الداعية: يوسف فرحات
نقلاً عن كتاب ( فقه الجهاد ) للشيخ القرضاوي 1/ 106