بلغ استهتار سلطات الاحتلال الإسرائيلية في مدينة القدس حدا يفوق كل اعتبار، متحدية جميع القوانين والأعراف الدولية التي لا تجيز للاحتلال بأي حال من الأحوال العبث بالمناطق المحتلة وتغيير معالمها، وتجبره على صونها والمحافظة عليها دون تغيير أو تحديث، وهذا الاستهتار الإسرائيلي نابع من الموقف الأمريكي الرسمي المتواطئ كلية بتقديم الدعم العسكري المضاعف من إدارة الرئيس اوباما، واعتراف منافسه الجمهوري الملياردير ميت رومني على لرئاسة الأمريكية بأن القدس عاصمتها الأبدية، وزيارة وزير الدفاع الأمريكي الحالية للكيان تعزيز الدعم العسكري والدفاع المشترك.
فمن جديد وضعت سلطات الاحتلال وبلديتها في القدس خططا جديدة لتسريع تهويد المسجد الأقصى أولا والمدينة المقدسة ثانيا، وبالإضافة لذلك فإنها الآن تسارع الريح في تنفيذ واستكمال جميع المخططات القديمة. وتأتي هذه الإجراءات السريعة هذه المرة بهدوء تام دون معارضة أو احتجاج من احد باستغلال فترة انشغال العالم العربي ومعه الإسلامي والعالم بأسره بالربيع العربي وانشغال الشعوب والحكومات العربية بقضاياها الداخلية سواء كانت الدول التي تعج بالثورات والاطاحات والتغيير للأنظمة أو الدول التي تضع نفسها على أهبة الاستعداد.
فسلطات الاحتلال تقدم على جريمة تهويد المدينة المقدسة وتصر على جعلها مجردة من أصلها وزيها ومعالمها التاريخية التي ترجع أصولها إلى الحضارة العربية والإسلامية. فما تقوم به الآن من حفريات ليلية وسرية أسفل المسجد الأقصى المبارك وتحديدا في الجزء الواقع أسفل باب المغاربة الذي يعد جزءا لا يتجزأ من المسجد الأقصى، لإقامة سبعه أبنية ومراكز تعرف بـ"مرافق الهيكل" تمهيدا لبناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، والهدف منها هو إضعاف هذا الجزء، وإتلاف أساسات المسجد الأقصى، بما أن هذا الجزء مرتبط أساساته بأساسات المسجد، لذا تعد الحفريات التي تلفه من الأسفل تهديدا مباشرا له، مما يجعله عرضة للانهيار في أي وقت تشاءه وتحدده بتوجيه له أي هزة مفتعلة ليقال عنها "هزة طبيعية" حتى تبعد عنها أصابع الاتهام ومن ثم يحلو لها إنشاء هيكلها المزعوم. كما كشف الأوقاف في القدس عن مخطط جيدي يستهدف تحويل باحات المسجد الأقصى إلى ساحات عامة وحدائق تلمودية لتجوال وتنزه اليهود فيها
ولم تكف سلطات الاحتلال عن خطط العبث بالمدينة المقدسة فبالتوازي مع الحفريات أسفل الأرض تنفذ حفريات فوقها بما يسمى بمخطط استحداث ساحة البراق بهدف إضافة معالم يهودية مصطنعة بجوار المسجد الأقصى كالحدائق التلمودية وزرع البؤر الاستيطانية في ساحة البراق، لكن الشعب الفلسطيني المرابط في هذه الديار لم يقف مكتوف الأيدي ولم يسمح لأحد أن يقايض أقصانا وقدسنا ومقدساتنا ومساجدنا وكنائسنا وتراثنا وارثنا العربي الإسلامي في أي تسوية مستقبلية أو مخطط لها للتنازل عن القدس والأقصى، وليعلم الصهاينة أن الله سبحانه وتعالى حامي للمسجد الأقصى وأكنافه وحافظ "قبلته الأولى" من أي مكروه، لان الشعب الفلسطيني يفديه بدمه وروحه والتاريخ خير شاهد، حيث يعيد هذا المشهد إلى الأذهان مجددا ما حدث في الأقصى عام 2000م من مواجهات راح ضحيتها العشرات دفاعا عن الأقصى، عندما أقدم المجرم شارون ومعه عصابات سفك الدماء من الشرطة والجنود والمخابرات الصهيونية المدججة بالسلاح لاقتحام المسجد الأقصى تحت حجج وادعاءات وافتراءات كاذبة بزيارة "الهيكل المزعوم" الذي لا وجود له إطلاقا لا فوق ولا تحت الأرض.
وقد تسبب هذا التصعيد الإسرائيلي الخطير حينها إشعال الأراضي الفلسطينية فيما عرف بانتفاضة الأقصى بعد أن منيت مفاوضات السلام في "كامب ديفيد" بالفشل وكان من أهم أسبابه طلب (إسرائيل) بالسيطرة الفعلية تحت المسجد الأقصى ولم تقتنع بعدم أحقيتها بذلك بل امتدت ممارساتها حتى وصل الحال إلى محاولة الاعتداء على حرمة المسجد الأقصى المبارك مع كل ما أسفر عنه ذلك من تداعيات قادت المنطقة إلى موجة جديدة من التوتر وعدم الاستقرار إلى هذه اللحظة.
ومشكلة العرب والمسلمين أنهم لا يتابعون الأحداث والتطورات ولا يتخذون المواقف المبدئية الحاسمة والقرارات الوقائية التي تتمتع بالصدق والجدية قبل أن تقع الواقعة أو "يقع الفأس في الرأس"، فيتحولون إلى "ظاهرة صوتية" تندد وتستنكر وتحتج وتغضب لتقتصر ردود الأفعال على التظاهرات والبيانات الإنشائية.
اعتقد سلطات الاحتلال قد تجاوزت جميع الخطوط الحمراء في القدس والمساس بالمسجد الأقصى دون أن تجد من يلزمها عند حدها، وهنا لابد أن أتساءل: أين هم الذين ينادون بتتويج القدس عاصمة للثقافة العربية؟، هل يكفينا الشعارات والمديح والمدينة تهود علنا، وتستباح أرضها ومقدساتها شبرا شبرا؟، مع نسبة الازدياد والتوسع الأفقي للاستيطان المنظم والسريع لإلغاء شخصية مدينة القدس عن أصلها العربي حتى جعلتها "عاصفة للثقافة العربية"، بل إن أسماء شوارعها العربية لم تسلم من التهويد لتَسخر من وهم بنو يعرب بجعلها عاصمة الثقافة العربية، لأنها مجرد كلمات لا توقف استيطانا، ولا تسترد شبرا من فلسطين، بينما لا تزال الساحة السياسية الفلسطينية المنقسمة على نفسها ويبدو أنها غير جادة في تحقيق المصالحة، وكلما تتقدم شبرا إلى الأمام تتراجع أميالا إلى الوراء.
فالأمر جد خطير ولا بد من معالجة هذا الاستهتار الإسرائيلي بما يستحقه من انتفاضة عربية وفلسطينية جديدة لنصرة الأقصى والقدس لضغط أكثر على الكيان لوقف هذا المسلسل التهويدي للقدس والأقصى. وفي كل الأحوال فان السلطة الوطنية مدعوة إلى وقف أية مفاوضات أو اتصالات مباشرة أو غير مباشرة في ضوء هذه التطورات المدمرة لمقدساتنا.
يبقى أخيرا التأكيد والتركيز على ما تريده (إسرائيل) فعلا وما تخطط له بعد أن ثبت للجميع ونحن في المقدمة، أنها غير معنية بالسلام ولا بإنجاح المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة ولا تحقيق المصالحة الفلسطينية ولا إقامة الدولة الفلسطينية، وإنما تريد فقط تنفيذ ما تخطط له من تهويد القدس والتخلص من المسجد الأقصى وقضم للأرض وتهجير للمواطنين وتقطيع لأوصال الضفة الغربية، غير عابئة بأحد سوى غطرسة القوة التي تملكها.
...