مئات القصاصات الورقية صغيرة وكبيرة مهترئةٌ وممزقة مكتوبةٌ بخط يدٍ ارهقها الزمن ولكنها تجاوزت المحنة, تلخّص بايجاز فِكر رجلٍ عز الزمان ان يجود بمثله ..
ففي عباراته الجلد والرحمة .. الحنان والقوة .. الهدوء والغضب .. والصبر سيد الموقف .
هي في واقعها رسائلٌ خرجت من غياهب السجون , ولكنها تمَثَل منهاجاً يدرَس لجيل سيقود للنصر .بمدادٍ من نور كتب الشهيد جمال منصور هذه الاكوام من الرسائل وان كانت تحمل طابعا شخصياً الا ان ما تحويه اكبر بكثير من ان يكون في نطاقٍ ضيّق , كتبها ليذرف كل من يقرأها دموعاً تملأ الارض على فقدنا لمثل هذا الرجل ,, ودما في العروق مستعدا لبذله في سبيل الله والوطن .
"لا اجمل من لحظات الغروب نرقبها لحظةً بلحظة ونلتمس الشمس وهي تجر ذيولها منسحبةً من دنيانا لتصنع فجرا لغيرنا ولكنها لا تغادرنا الا على وعدٍ صادقٍ بالعودة رائعةً تتهادى بعد نومٍ هنيءٍ لها في عالمٍ اخر".
علّ من يقرأ هذه العبارة يشعر بمرارة الاسر وظلم السجّان والقهر , وفي ذات الوقت يحسّ من السجين الصبر والايمان بالنصر.هذا التناغم والتصوير الشاعري يقودنا الى ان من يكتب هذه الكلمات لابد له بأن يكون ذو احساس مرهف وشخصية فذّة. ومما خطّت يداه نستقي العبر لتقوينا في خضمّ المأساه
" ان الحياة رخيصة بغير تضحية وحمل راية سامية واهدافٍ كبيرة يعيش الانسان صغيرا ويموت صغيرا ويبعث صغيرا وكما قيل يا له من دين لو ان له رجال".
فاليوم في زمنٍ عزّ فيه الرجال نستذكر الرجال وفي زمن القابض فيه على دينه كالقابض على جمر من نار وفي غمرة التخبط وعِظَمِ المقال نستذكر الجمال .. الذي حمل الراية السامية والهدف النبيل وضحى بنفسه في سبيل الله فنحسبه عاش كبيرا ومات كبيرا.
في كل الظروف وكل المحن وعند كل المنعطفات كانت كلماته الدليل للوصول حتى وفي اصعب المواقف كالفراق كانت كلماته خير معين
" هكذا الدنيا املها مقطوع ولذتها منغّصة وحلاوتها مكدّرة فقد كُتب علينا الفراق لنكن اكبر من هموم الدنيا فنحن اهل آخرة فلتكن الدنيا مزرعة وخير زرعها الصبر والذكر "
هنا وعند هذه الكلمات نتوقف لنعرف ان الاحتلال لم يهدف لاغتيال رجل وحسب بل هدف ان يغتال عقلاً وفكراً اسلامياً سامياً لاتحدّه قيود الارض ولم يعلم بأن المفكّر يبقى فكره حيٌا بيننا وكما قال سيد قطب رحمه الله ان كلماتنا تبقى ميتة كعرائس الشمع حتى اذا متنا وغذيناها بالدماء انتفضت وصارت تمشي بين الاحياء.
"قلب ابراهيم جعله امة رغم ان كل الدنيا كانت كافرة فلنتشبث بحبل الله ليرفعنا اليه تعالى وهو راض عنا , لقد اشتقنا للجنة لا لثمرها وانهارها بل للصحبة والاحبة "
تقف كلماتنا عاجزةً عن الاصطفاف في جملةٍ تعطي معنىً حقيقياً لما يجول في الخاطر والوجدان , ونحن اشتقنا للجنة واشتقنا للقاء . ولكن وكما حدثنا دائماً " ان اشد ساعات الليل حلكةً هي التي تسبق الفجر" ولقد اشتدت الظلمة كثيرا فالفجر قادم يحمل النصر بإذن الله ودماء الشهداء التي بدأت مشوار النصر لن تضيع ولن تُنسى فما ضاع حقٌ وراءه مُطالِب.
هذا غيضٌ من فيض ومقتطفات مما كتبه وقاله شهيد نابلس وقائدها جمال منصور اسطورة الفداء .. ونحن نقول ما اصعب الكلام في حضرة الشهداء .
رحمهم الله وجمعنا بهم في مستقر رحمته
...