كانت بدايات تعرفي على الشهيد"أبو رشيد" منذ ما يقرب من ثلاثين عاما مع بدايات التزامنا الدعوي وانتمائنا التنظيمي لحركة الاخوان في أوائل الثمانينات .وبدا تميزه في تلك المرحلة .كان يتصف بالجدية والالتزام والمصداقية وعلو الهمة. وكان البؤرة التي يتجمع حولها إخوانه في منطقته .صادق الوعد قليل الكلام كثير العمل .لا يطلع سره على احد.وكان يؤمن بفكر المقاومة ومواجهة المحتل ويرى في هذا النهج سبيلا وحيدا لتربية أبناء الحركة بصورة عملية تتجاوز الكلمات والشعارات.
ومع انطلاقة حماس كان أبو رشيد في مقدمة الصفوف وهو قدوة لإخوانه في منطقة رأس العين على وجه الخصوص وهي إحدى معاقل حماس في مدينة نابلس ومنها خرج قيادات في القسام واستشهاديون عظام .طيلة مسيرة حماس وكان أبو رشيد دوما يعمل خلف الكواليس وكأنه المظلة التي يستظل بها إخوانه حتى في أصعب مراحل مرضه.
ولم يكتف بالتوجيه عن بعد بل سبق إلى العمل العسكري وكانت له صلات قوية بالشهيد عياش فقد آواه وساعده فترة طويلة في بيته وفي مكان آمن قرب بيته .وكانت له علاقات مع مطاردين آخرين من رجال القسام .وحين اعتقل كان نموذجا في الصمود أمام المحققين في مرحلة مبكرة من تجربة حماس في أقبية التحقيق.ولم يتمكنوا من إدانته إلا بقضايا بسيطة لا تتناسب مع الصورة التي يتطلع بها العدو له .ففرضوا عليه غرامة مالية كبيرة في التسعينات لردعه عن مواصلة العمل التنظيمي .وكان بينه وبين الشاباك عداوة شخصية .أثرت على تعاملهم معه حتى أواخر أيام حياته .
فقد كان يؤمن بأن استهداف المحققين الصهاينة له اثر بالغ في الصراع مع العدو من الناحية المعنوية والعملية وكان يناقش الأمر مع إخوانه قائلا بأنه لابد من اقتلاع عيون العدو ويقصد بذلك محققي الشاباك الذين يعذبون المجاهدين وينتزعون منهم الاعترافات التي تؤدي إلى إضعاف التنظيم وتراجع العمل المقاوم.ولم تكن تلك الفكرة خيالية في ذلك الوقت لأن مركز التحقيق المركزي كان في سجن نابلس وسط المدينة وكان المحققون يأتون لعملهم في الصباح ويغادرون في المساء عبر طريق معروف شرقي المدينة وبحراسة محدودة وسيارات معروفة .
وكانت هذه نظرة متقدمة في الفكر المقاوم ويمكن أن تحدث تغيرا ملموسا في الصراع مع المحتل فيما لو تم تنفيذها .وقد وصل هذا التخطيط إلى المحققين أنفسهم من خلال اعتراف احد الأخوة الذي أكد لهم أن صاحب الفكرة هو زهير فجن جنونهم وشددوا أساليبهم ضده وراحوا يهددونه ويتوعدونه .مع شعورهم بالرعب والخوف لأن القضية تمسهم مباشرة وبشكل شخصي .وهذه مسألة لها أهميتها في مفردات الصراع .
وبعد ذلك ابتلي زهير بالمرض الذي اثر كثيرا على صحته دون أن يمس روحه ومعنوياته .فلم نسمعه يوما شاكيا او باكيا .او متذمرا او ساخطا .بل كان الرضى بقضاء الله صفته الدائمة .لكن المرض آذى جسده واخذ العلاج معظم وقته .فرأينا في قيادة الحركة حينها أن نعفيه من العمل اليومي والمتابعة التفصيلية.وسارت الأمور على هذا النحو فترة من الزمن إلى حين جاءت انتفاضة الأقصى وفقدنا عددا من خيرة قيادات حماس في نابلس .فأصر أبو رشيد على العودة إلى صلب العمل .فتم ذلك على ان يكون عملا غير مجهد يتناسب مع ظروفه الصحية .وما كان لهذا الوضع أن يستمر مع رجل مثل زهير .إذ إن همته وحرقته على العمل لا حدود لها .فاقتحم الميدان وحاول أن يملأ كل فراغ يراه .واختار ذات الشوكة كعادته .فتنبهت له عيون العدو الذي خطط لاقتلاعها قبل زمن فلاحقته واعتقل رغم مرضه وخطورة حالته الصحية .وليبقى في الاعتقال الإداري فترات متتالية ومتلاحقة لأنهم يدركون خطورته .وان مجرد وجوده بين إخوانه سوف يعطيهم دفعة معنوية إلى الامام.فلم يفرج العدو عنه إلا حين تأكد انه على وشك مفارقة الحياة.وهذا ما كان.
وفي السجن كانت بيننا مراسلات محدودة كلماتها قصيرة لكن احدنا يفهم على الأخر بسهولة وبالإشارة .إذ أننا من نفس المدرسة التي تؤمن بالعمل المقاوم .وبالتحرك بعيدا عن الاضواء.وقبيل استشهاده هاتفته لاسمع صوته لكنه كان في غيبوبة .وجاءني خبر استشهاده وانا عند البيت الحرام بعد ان دعوت له بان يكرمه الله بما يحب.ولعل الله يجمعنا هناك في مقعد صدق مع الصحب الكرام ممن سبقنا الى الشهادة.
...