ليست القضبان هي التي تحبس العزائم في الصدور، وليس الجلاد من يطفىء وهج الغضب، ولا الزنزانة هي من يُعلّب الإرادة، ولا يمكن للقهر مهما بلغ ثقله و مداه أن يقتل الحلم النابت الذي يتروّى من ماء عيون الأحرار ودمائهم.
والدليل أنتم .. أنفسكم لا غيركم.
فأمعاؤكم الخاوية أسقطت صمتنا الفلسطيني الذي تدلّى في موسم الربيع العربي كالمشنوق في سماء العروبة ، وتجاوزت بعنفوانها وصمودها كل الأسلاك الشائكة ، وأسكتت الكلاب النابحة حول سجونكم. كل ذلك لأن أمعاءكم كانت أصلب من مواسير بنادقهم ومدافعهم، ونعترف أنها كانت أقوى كذلك من سواعدنا نحن ، وأكثر أثراً من حناجرنا التي ملأت الفضاء ضجيجاً فارغا.
هي أمعاؤكم الخاوية
هي التي حشدتنا على شرفة الأمل وجمعتنا على ضفة الوحدة ، وجرّتنا من خلف صخرة الانقسام المشؤومة ، وأعادت لنا طعم الثورة والإفاقة من بعد غيبوبة وطنية ثلجية باردة.
نعترف أن سلاسلكم تكتنز الحرية أكثر من فضاءاتنا.
ونعترف أن ظلمة سجونكم أكثر ضياء من صباحاتنا.
ونعترف أن كيمياء غضبكم قد صهرتنا معكم ، فأضحينا وأنتم تحت سماء الله سواء ، تمتلأ رئاتنا برياح الغضب المضري ، وأنفاس الثأر الكنعاني.
ونشهد أنكم .. أنتم من حرّرنا منّا.
ونُوقّع على بياض .. أنكم أكرم وأعز منا.
بلا سماء كنتم أحراراً أكثر منا.
ورغم أنكم لا ترون النهار إلا متسللاً من طاقات زنازينكم ، إلا أنكم ترون فلسطين بصورة أبهى مما نرى.
غاب عنكم وجه القمر ، ولون البحر ، وعصافير الحقول، وحرمتم حاكورة البيت وتيناته، وحَجَز عنكم الجلاد صورة الوطن بأكمله ، إلا أن عشقكم له أكثر عنفواناً من عشقنا.وسواد العتمة في السجون تشهد على ذلك.
ورغم أن صباحاتكم بلا فلافل شهي على عربات الباعة ،وبلا زعتر يختبىء في فطائر الأمهات ، ومن غير ميرمية تعطر كؤوس الشاي على الطبلية، وبلا مزهرية تزين الزنزانة ، ورغم أنكم .. ورغم .. ورغم .. واملأ الأفق بها من "دان" إلى "رفح" .. إلا أنكم أبهى صورة للوطن ، وقد مددتم المسافة بين القيد والمعصم لتصبح أفقاً أوسع من المدى بين سطح البحر ولون السماء.
نعترف أنكم لستم الأسرى، بل نحن الأسرى في جلودنا ، وياليتنا نعطي الوطن كما أعطيتموه
يقول "محمود درويش" :
هذا هو العرس الذي لا ينتهي
في ساحة لا تنتهي
في ليلة لا تنتهي
هذا هو العرس الفلسطيني
لا يصل الحبيب إلى الحبيبْ
إلاّ شهيداً أو شريدا
وأضيف : أو أسيرا.
ولكنني أخالف "درويش" وأقول :
سيستمر العرس الفلسطيني نعم ، ولكن ليل فلسطين سيقهره فجرها الآتي ، وسيصل الحبيب إلى الحبيب. وسنحيا أحراراً تحت سماء الأرض المباركة التي تستحقنا ونستحقها. وسيرحل العابرون على ذات أمواج البحر التي جلبتهم ، أو سيُشق صدر الأرض قبوراً لهم.
وأنتم يا سادة قلبي في الزنازين
أبشروا ..
سيرحل ليلكم ، وسينكسر القيد ، وشرايين الحرية في جدران الزنزانة ستُصدّعها ، وستقتحمون أنتم أفقنا المقدسي كخيول ضابحة عند ندى الصبح القريب.
عذراً يا سادة فلسطين ، كرّم الله وجوهكم ، هذه بضاعتني ، وهي جهد المقل ، وأنا خجلٌ من وهج الغضب المشع في أحداقكم، ومن تمرد معاصمكم في قيودها. ولولا أنني تذكرت قيمة الكلمة ، وخضعت لجبروت القلم ، لما تجرأت على كتابة هذه الحروف الخجولة ، لأنني أعلم أنكم تسحتقون أكثر .. وأكثر .. وأكثر منها.
سلا مٌ عليكم ، حتى ينكسر القيد
وسلام على وجوهكم .. أقمار الأرض المباركة
ولا أنسى أن أسلم على أمعائكم الخاوية التي أربكت جلاّديكم ، وستكسر بمشيئة الله تعالى إرادتهم ، وهي تلك الأمعاء المباركة التي حررتنا منا ، وجمعت فرقتنا.
وأخيراً أذكركم بمفتاح الفرج والفلاح معاً :
[ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُون [آل عمران:200
...