ينبغى أن تسيطر علينا مشاعر الغضب و الإستياء إزاء الإقتحام الإجرامى للحرم القدسى الشريف ، لكننا فى نفس الوقت علينا ألا تشغلنا آهاتنا الغاضبة و جراحنا النازفة عن علامات الاستفهام الواجبة عن السبب الذى دفع بالصهاينة للقيام بهذه الجريمة النكراء الآن ، مدركين أنه ليس هناك في إسرائيل أمور تحدث اعتباطا فهو مكر الليل و النهار ، و حتى نستطيع الإجابة عن هذا التساؤل يجب علينا أن ننظر فى الظرف الذى وقع فيه هذا الحدث الجلل.
المعلن إعلاميا أن هناك جماعة من المتطرفين اليهود – كلهم متطرفون - تسعى للاحتفال بعيد الغفران اليهودى و ممارسة الطقوس اليهودية داخل ساحات الأقصى و لو صح هذا الطرح رغم استباعدى له ، فلماذا هذا العيد دون غيره ؟! ، حين تتأمل فى مجريات الأحداث التى تمت فى ظلها هذه الجريمة تجد ما يلي:
فلسطينيا :
* رفض اسرائيل المطلق لوقف الاستيطان و لو مؤقتا ، مع خضوع الإدارة الأمريكية - هى خاضعة بالأساس - و إذعانها للموقف الإسرائيلى ، رغم مطالبات الرئيس الأمريكى أوباما المعلنة و المتكررة لوقف الإستيطان .
* الخضوع المذل و المهين لأبومازن الذى أعلن مسبقا وقف المفاوضات حتى تستجيب إسرائيل و توقف الاستيطان و لو مؤقتا ، ثم تراجعه عن موقفه فى ساعات معدودة بعد أن ذكّرته الإدارة الأمريكية بحجمه الحقيقى و طالبته ألّا يندمج بشكل كامل فى الدور !! فكان ذهابه لنيويورك و جلوسه مع نتنياهو و مصافحته الودودة لقادة الاحتلال أمام عدسات المصورين !!
*اقتراب موعد الانتخابات التشريعية و الرئاسية الفلسطينية فى مطلع العام القادم فى ظل تسرب أنباء عن اعتزام السلطة فى رام الله قصر الانتخابات العامة على الضفة للإمعان فى عزل و حصار قطاع غزة ، و يجب ألا ننسى كذلك أن أبومازن يمارس مهامه – لا مهامنا ! – دون صلاحيات دستورية فهو منتهى الولاية حتى لو حاول أولياء نعمته تجاهل هذا الموضوع بمنطق القوة لا قوة المنطق و القانون .
* موافقة سابقة للكنيست الإسرائيلى على بيع أراضى اللاجئين الفلسطينيين دون موافقتهم فى سابقة خطيرة تخالف كل أبجديات القانون الدولى ، مع استمرار طرد عرب 48 من منازلهم فى القدس المحتلة .
* فشل صفقة الإفراج عن الجندى الإسرائيلى الأسير ( شاليط ).
عربيا و دوليا :
* استقبال الرئيس المصرى لنتنياهو و دعوته على مأدبة للإفطار فى رمضان المنصرم !! رغم تصريحات نتنياهو التى لا تحمل إلا كل شر تجاه القضية الفلسطينية !! .
* الإعلان عن المناورات الأمريكية الإسرائيلية المزمع القيام بها و اعتبارها الأضخم فى تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بدعوى التصدى لأى هجوم إيرانى محتمل على إسرائيل ، هذا مع تصاعد نبرة التهديدت تجاه إيران سواء من إسرائيل أو الغرب .
* الغارات الوهمية و الاختراقات المتكررة للأجواء اللبنانية و سط تأزم الشأن الداخلى اللبنانى .
هذا بالتأكيد بعض من كل من الأحداث التى تحرك مشهد اقتحام الحرم القدسى ، حين تعيد قراءة الأخبار السابقة ، تجد أن هناك اتجاها ضاغطا إسرائيلياً أمريكياً أوربياً ينتج عنه تمدد و تشدد فى المواقف باتجاه تصفية القضية الفلسطينية بالكلية ، يقابله انكماش و استسلام عربى رسمى يصل إلى حد التواطؤ فى بعض المواقف ، يقابله كذلك صمت شعبى من المحيط إلى الخليج ، اللهم إلا داخل الأرض المحتلة .
حين نترجم هذه المواقف و التحركات الغربية و العربية السالفة إلى أهداف نجد أنفسنا أمام الأهداف الإسرائيلية الإستراتيجية التالية :
1) محاولة تسخين الأوضاع من جديد داخل الأراضى الفلسطينية بهدف تصفية حماس أو على الأقل إخراجها من معادلة الانتخابات الفلسطينية القادمة بأى شكل حتى يثتأثر أبومازن بمجمل القرار الفلسطينى و بالتالى تصفية القضية .
2) تعريض إيران و شغلها بحرب إعلامية نفسية اقتصادية هائلة لتحييدها أو على الأقل محاولة تقليم أظافرها لحين إنهاء ملف القضية الفلسطينية .
3) تصعيد الأزمة اللبنانية لأقصى مدى مع زيادة الضغوط على حزب الله و خصوصا بعد أن جاءت نتائج الانتخابات اللبنانية فى غير صالح الحزب مع إلهائه بالوضع الداخلى و فى ظل رسائل تحذيرية من مغبة أى محاولات لتوتير الأوضاع على الحدود .
4 ) تعريض الحركات الإسلامية الفاعلة داخل الأقطار العربية لأزمات متتالية من تضييق و اعتقال و مصادرة أموال وتلفيق تهم و غيرها – الإخوان المسلمون فى مصر نموذجا – خاصة بعد أن ثبت للقاصى و الدانى أنها العامل المحرك الرئيسى للشارع العربى و الإسلامى بل حتى العالمى أثناء العدوان الأخير على غزة مما يستدعى إلهاءها هى الأخرى بأزماتها حتى يسهل تصفية القضية دون إزعاج !!.
لذلك تكوّنت لدىِّ قناعة - اعتقد الكثيرون يشاركنى إياها - بأن ما حدث من إعتداء غاشم على الأقصى الشريف ما هو إلا بالونة اختبار و جس نبض إن صح التعبير، و الحكومة الإسرائيلية و أجهزتها تراقب الآن و تحلل و ترصد و تبنى قرارتها على ما يحدث على الأرض من ردود أفعال ، مما يجعلنا جميعا أمام واجب مقدس يقضى بإفشال ما يدبر لنا بليل ، كل على قدر طاقته و كل على قدر وسعه ، حتى لا يلاحقنا و خز الضمير فى الدنيا و الحسرة فى الآخرة ، و إنه لجهاد نصر أو استشهاد.
...