في الوطن العربي الكبير تهالكت مصطلحات في ذهنية المواطن البسيط ، وانهارت خلفها كلمات لارتباطها بالظلم و الفساد والقتل للأحلام الصغيرة منها: القائد ، الزعيم ، الرئيس ، الملك ، الشيخ ،الأمير ، الكبير ، والمدير والغفير .
وكثير من الألقاب المعبرة عن المكانة والسياسة والريادة التي ضاعت مع عازفات الليل الراقصات على وتر الانحلال والرذيلة في القصور المهيبة .
من عادة الفقراء السخط على الحياة التي تحرمهم الخبز والكرامة ، ومن عادة أركان الأمر اتهام البسطاء الحسد والكره والضغينة .
حرب الشعور عايشتها وأنا أطل من بيت صديق لي على طقوس فرح لابنة كبير من الكبار وقد اصطفت عشرات السيارات الحديثة كأنها موكب أميري تظهر فيه نساء بين العراء والستر الخفيف يتمايلن كأنهن ربيع أسكره رذاذ المطر ، يرافق ذلك تيه الرجال الشاردين من الحياة إلى خيال المتعة الزائلة .
في تعليقي الصامت على المشهد من خلال تعابير الوجه ، لمزني صاحبي بكلمات السخرية وهو يقول لا تحبون الفرح ... وتكرهون الجمال ... وتكبتون الحرية...وتخافون النساء ... وتحجرون المتعة ... وتفسدون نشوة السكران ... خلي الناس إتعيش .
أثناء حديثه سرق بصري صورة على الجدار تجمع الشيخ أحمد الياسين والرئيس الراحل ياسر عرفات ، قرأت في الصورة مفارقة الأيام ، واختلال الصور ،وانكفاء المناهج ، وتبدل الأولويات ، ومر في خاطري أبو جهاد ، والرنتيسي ، وغيرهم كثير ممن أنزلوا رحلة العمر على صعب الحياة ليعيش الوطن .
في رحلة العمر مع السجن عرفتني الأيام بقائد قلب النمطية المقرفة التي تشاهد في فضائح الكبار ، وجدته يوماً ينام على حصير في ظل خيمة المعتقل يحمل كتاب الله يحفظ آياته ، وبعد الانتهاء يجمع حوله الشباب يعلمهم التجويد ، والفقه ، ثم ينتقل من الجد معهم إلى المرح، كأنه الأم تجمع الحنان والفطام وتحنو ساعة الألم .
الشيخ الفريد هذا هو شيخ جنين جمال أبو الهيجا ، مبغض الأضواء كاره المناصب ، خصيم الكبر والشهرة .
يوم الإفراج عنه من المعتقل تجمع حوله السجن كله ، بكل فصائله ينشدون له ما يحب ويعشق ( يا معشر الإخوان لا تترددوا ... عن حوضكم حيث الرسول محمد ... نادتكم الفردوس فامضوا نحوها ... في دعوة الإسلام عزوا واسعدوا )خرج يومها وفي العيون دموع الحب والوداع الصادق .
دارت عجلة الأيام من العام 98 حتى 2001 وفي بدايتها طلبت خيل الله لجولة فداء ومقاومة ، وبرزت في أيامها جنين القسام ومخيمها ، وبرز حينها الشيخ يخطب في الناس بفعله ، يحمل السلاح ، يجمع العتاد ، يوزع المساعدة ، ينسج الأخوة حتى وجدت حبه في قلوب أبناء فتح يعادل أبناء حماس الذين كانوا ينظرون إليه على أنه الوالد الحاني .
اتهمته (إسرائيل) حينها بقيادة المواجهة التي قدم فيها يمينه شهيدة إلى الجنة حين بترت وهو يقود الرد على استشهاد أبو جندل والطوالبة ، وجموع الشهداء الذين ودعهم في ساحة المواجهة .
في حكاية فريدة للشيخ مع مؤسسة خيرية متعاطفة معه جاء مندوبها إليه خلسة ، قال يا شيخ لقد تدبرت لك يداً صناعية على حساب المؤسسة ، سأله لي وحدي أم لكل المصابين في المخيم ، قال لك وحدك ، سأله عن ثمنها رد آلاف الدولارات ، سأله حينها المبلغ وقال أنا سأشتري طرفاً أجود من مواصفات ما عرضت ، أعطى الشيخ مبلغ المال ، وشرى به عتاداً للمقاومة ثم رد عليه ، أشكرك لقد وصلت يميني إلى ألف زناد يوحد الله .
هذه القصة حال الشيخ في حياته ، حمل أولاده على ذات الدرب ، في السجن وجدتهم ، وفي السجن كانت أمهم ، وفوق ذلك حكمت عليه (إسرائيل) مدى الحياة تسع مرات من غير مقدرة على إثبات قيادته للمقاومة في جنين .
ولغيظ (إسرائيل) وحقدها من الشيخ وضعته في العزل ،و منعته من الزيارة ، وقصفت بيته ، وأدامت عليهم غربة البيت الواحد منذ عشرة أعوام .
الشيخ كان فريداً ، جسد في حياته العالم المجاهد ، وفصل في مسيرته بين الجهوية والانفتاح ، وتقلد وسام القدوة لكل الطيف الفلسطيني ، حتى عرف عنه احتضان الجميع في نموذج نحتاج إليه في واقعنا الممزق الحزين ، الذي ترفع فيه راية الفرقة وأعلام الانحلال ، وتخبو فيه أصوات الحب المقاوم الموحد الذي حكم الساحة الفلسطينية من خلال لوحة الدم الساكن عمق الأرض التي لا تزول .