في الرواية الفلسطينية يظل المخيم تعبيرا عن حالة الصراع الذي لا ينتهي ، وتظل الصورة الذهنية من خلاله حيةً لمدى قسوة التاريخ الحديث حين يمر على محنة الفلسطيني الذي سلبه الموت القادم أعز ما يملك عبر مخططات العالم الذي حاول التخلص من اليهود فكنا موطن ظلمهم .
في المخيم تختلط الصور الحزينة من الفقر والوجع وحصار الحلم وضياع الأمل ، حين تدخل الأزقة تفتح في وجهك ألف رواية وأنت ترى بيوت الصفيح المتهالكة الضيقة التي تمتد عبر الأرض الفلسطينية حتى لبنان وسوريا والأردن لتختلف بعدها التسمية للجوء في باقي دول العالم الذي نثرنا فيه كأننا عقد اللؤلؤ المفروط .
مع المخيم وضيق العيش فيه ، المقرون بطيبة الناس وبساطتهم الجميلة تفتنك أرواح شبابهم الذين ما ماتت أحلامهم ولا هزمت أرواحهم بل ظلت تحفظ من التاريخ قصة قصيرة عن وطن سلبه قطاع طرق فيه، حيفا ويافا وعكا والقدس التي تعلقت بها نفوسهم ، وكبرت معها صورة مفتاح علق في منتصف شيء حزين سمته الأمم المتحدة بيتاً وسماه الفلسطيني القبر المشوه .
هذا القبر برغم قباحته ولدت فيه عزيمة الفتية الذين نعرف منهم أبطال ملحمة جنين وصبرا وشاتيلا وخان يونس وغيرها من مواطن اللجوء التي تألقت على امتدادها أسماء كبيرة لقادة العمل الوطني ، وبرعت في نحت الوطن على بوابة بؤس المخيم القاتل .
من هذا الجيل نعرف المجاهد حسام بدران القائد القسامي الكبير " أبو عماد " الذي عاش الجندية مع من سبقه من القادة جمال منصور وجمال سليم والسوركجي الذين تربوا على مائدة التوحيد وتتلمذوا في محاضن الإخوان التي صقلت هذا الجيل ، وحملته كما تحمل الأم وليدها وعند الفطام برعوا في صناعة جيلهم الذي أخذ على عاتقه قيادة الحركة الإسلامية في الجامعات والمعاهد ثم قيادة العمل الجماهيري في انتفاضة الحجر التي أسست صورة الجسدية الفلسطينية الموحدة التي ندر مثيلها وقل شبيهها في هذا الزمان .
أقدار الله جمعتني في عام 95 بحسام الشاب مدرس التاريخ الفاهم لسره القارئ في دفات الزمن لوحة الأيام القادمة والتي عبر عنها من خلال كتاباته التي كانت توزع على أقسام المعتقل ، حيث كانت في معظمها تقرن الماضي بحركة القادم من الأيام بتحليل واع ورصين ، ألخص منه ما أذكر عن مستقبل السلام وجولة المقاومة القادمة التي ستكون أشد إيلاماً للمشروع الصهيوني .
حديث الرجل وفهمه كان يجمع حوله الكثير من الشباب الباحث عن المعرفة والثقافة التي كان يسوقها بسلاسة منطقه وجمال روحه المازجة بين الشباب وحكمة الكبار ، فتراه تارة في ساحة المرح واللعب والبسمة غمامة جمال تسري في الأرواح المتعبة ، أما في ساحة الجد فروايته عبرت عنها فعاله التي تكشفت في انتفاضة الأقصى والذي اتهم فيها قيادة العمل الجهادي في مناطق الشمال ليصبح من الأرقام الأولى التي وضعت على قائمة التصفية والتي نجا منها بأعجوبة بعد إفلاته من موجة صواريخ الأباتشي في اجتياحات نابلس الشهيرة ليقع في الأسر بعد إصابة حارسه وحصاره في منطقة مكشوفة.
ليبدأ التحقيق العسكري معه في ساحة الاعتقال بشكل جنوني من خلال استخدام كافة وسائل التحقيق العنيفة والتي عاش معها 5 أشهر لم يتحدث فيها بكلمة واحدة رغم إشراف مسؤول الشاباك على ملفه شخصياً وليكون بعدها الحكم عليه 22 عاماً .
مر على لقائه أكثر من عشرة أعوام انقطعت أخباره حتى جمعنا الله في سجن بئر السبع في 2008 وجدته كعادته يتوسط مجموعة من الشباب ويتحدث إليهم في محاضرة بعنوان "كيف نقرأ التاريخ لنصنع المستقبل؟ " سألته حينها عن تيار في الأمة يعتبر التاريخ كتاباً أصفر ضيعته دقدقة الحضارة الفاتنة القادمة عبر بوابة الغرب القوي الذي لا يهزم ولا يموت ولا تلين عزائم مخططاتهم ، ليرد كخبير فيجمل الإجابة في حديث عن الحضارات واندثارها والأمم وتغيرها ثم يقرن القديم بتاريخ أوروبا ومحنة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي سابقا وما تلاه من انهيار ، تشكل على إثره ما يعرف بالقطبية الواحدة التي يرى هبوطها وانهزام مشاريعها في العالم الإسلامي والذي سيكون بداية لعودة الأمة التي وعد بها الرسول عليه الصلاة والسلام .
كثير من البشر الذين يعرفون يسخرون معارفهم لاتقاء صعاب الأيام القادمة ، فتظهر في مواقفهم الحسابات وفي غالب الأوقات يسقطون في حكاية المنطق والمعقول والعقلانية السياسية ، حسام والتاريخ منهج جديد يقفز عن الفريق الأول الذي لا يفهم سوى الرواية المتشائمة للتاريخ .
حسام وصحبه يبحثون خلف الرواية ليقرؤوا المنهج الذي صنع التاريخ العظيم أو أباد الممالك القوية ، في منهجهم يفهمون أن الموت أقرب من الحياة في ساحة المعركة ، ويفهمون أن رثاء الشهداء أكثر من زغاريد الفرح ، ويوقنون أن المسير فيه قيد ووجع ودموع .
لكنهم كشفوا في التاريخ أحجية لم يفهمها الكثير ، أن المساحة بين الذل والعزة كالمساحة بين الحياة والموت ، وأن ذهب الأرض لا يعدل الذات الكريمة ، وقبل ذلك كله لا تموت أمة طارت إلى الحياة عبر بوابة التضحية والفداء ، بذلك وحده كانت الأمم ، ولذلك يحبك الناس يا والد عماد ويدعون لك بالفرج .