له تحن السهول والهضاب، ولمشيته تحن الفيافي والربوع، ولزمجرة صوته تشتاق المسامع، ولنصحه وحكمته وإدارته تحن الميادين، نابلس، جامعة النجاح، ساحات الأقصى، غزة التي تدرب فيها، كلها تشتاق إليه. له غنى الحادي وقال: (يا عبد الناصر أخبرهم فلديك وقائع مشهورة... قد كنت جواداً منتفضاً فغدوت كواكب منثورة) له وعنه ومن أجل أجيال نسعى لتربيتها على سير الأبطال ونتمنى أن تحذو حذوهم، وتسير على دربهم، وتنغرس في عقولهم وقلوبهم أفعال هؤلاء، نكتب ونخط، نسجل شهاداتنا للتاريخ قصصهم ومآثرهم.
عبد الناصر عيسى، اسمه وقع في عالم الحركة الأسيرة الفلسطينية، ورجل له كلمة بين جموع الأسرى، فارس من فرسان السجون، ورجل من رجال الوحدة، لا يغيب اسمه، ولا تفتأ الألسنة عن ذكر فعاله.
بالمهندس يحيى عياش ارتبط اسمه، فكان تلميذه النجيب، وكأمير للكتلة الإسلامية عرف بين جموع طلبة جامعة النجاح التي حال الاعتقال حتى الآن دون تخرجه منها، عرف كأحد من صاغ وثيقة الوفاق الوطني الشهيرة، اشتهر فكان عبد الناصر عيسى أبو حذيفة حامل هموم شعبه، والباحث عن وحدة صفه، صاحب السبق والكلمة الفصل والقرار الحاسم.
عبد الناصر عيسى المعتقل منذ أكثر من خمسة عشر عاماً بشكل متواصل، وقبلها أعوام هنا وهناك أمضاها من سجن لآخر، خاض جولات تحقيق طويلة وقاسية مع المحتل، وهو صاحب مدرسة الصمت حتى تنفيذ المهمة، ومن أجل صموده ابتدع المحتل مصطلح (لوح الزجاج المكسور).
اعتقل البطل عام 1995 وكان لدى المحتل معلومات شبه مؤكدة أن عملية استشهادية ستحدث، فمارس محققو الشاباك كل أصناف وألوان العذاب ضد الرجل، فلم ينطق ببنت شفة، مارسوا معه الترغيب، وقالوا له سنطلق سراحك مقابل أن تخبرنا عن مكان وزمان وقوع العملية، رفض العرض، فضُرِب، صُعِق بالكهرباء، شُبِح، استخدموا معه أسلوب الهز أكثر من مرة، شارف على الموت، لم يستطيعوا، عجزت (إسرائيل) بكل قوتها عن أخذ كلمة، وحدث الانفجار وهز (إسرائيل)، وبكى المحتل دماً ودمعاً على قتلاه، وابتسم عبد الناصر وقال لهم: اليوم ثأرت للمهندس.
وقف جنرالات الاحتلال وألقوا له تحية عسكرية وأخبروه أنه انتصر، والتقطوا معه بعض الصور التذكارية، وبلعوا هزيمتهم بصمت بعد أن انكسر كبرياؤهم وانتصر إباء وإرادة عبد الناصر.
لم تستطع جدران السجن أن تحني هامته، فأسس من سجنه وداخل أسره ومن قلب الجب مجموعات عسكرية لقنت المحتل درساً أن جنود الوطن لا يعرفون استراحة المقاتل.
عبد الناصر عيسى استطاع بذكائه وحدسه وقوة منطقه أن يقنع العالم الإسرائيلي (فعنونو) بضرورة إعطائه معلومات عن مفاعل ديمونا الشهير، ونجح بإخراج هذه المعلومات خارج السجن، فكان عبد الناصر الفدائي على طول الخط.
عبد الناصر عيسى، المأسور الآن في سجن هداريم، يزرع الأمل الآن في قلوب الأسرى، يحدثهم عن الغد الجميل القادم، ويقول إن أدبرت عنا الدنيا بضع سنين فإنها ستأتي لنا بالخير ما تبقى من عمر، لا يأس مع الصبر، ولا قنوط من فرج الله، وأملنا بالله كبير.
أملنا بالله كبير، هذه الكلمات سمعتها منه في مركز تحقيق بيتحتكفا قبل أكثر من عشرة أعوام، وبالتحديد في عام 1999، حيث تم سحب عبد الناصر للتحقيق لوقوفه خلف إحدى المجموعات التي شكلها من داخل سجنه، سألته عن حاله، فقال: "أملنا بالله كبير"، إثر هذه الكلمات ما زال يصاحبني، وصداها ما زال يتردد في أذني حتى اللحظة، منها استلهمت الصبر، وقررت الصمود والثبات.
لك الله أبا حذيفة في سجنك، يا من توفى الله والدك من دون إلقاء نظرة وداع، ويا من هدم منزل عائلتك، ويا من لا تستطيع رؤية أمك كبيرة السن، أقول ما نسينا، أنت قد علمتنا بسمة المؤمن في وجه الردى، فلك التحية والإكبار، وعليك من الله ألف سلام.